القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني والاعتراف بالحكومات

موجز الاخبار

القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني والاعتراف بالحكومات

 القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني والاعتراف بالحكومات



الفريق شرطة حقوقي (م)  د.  الطيب عبد الجليل حسين محمود - المحامي واستشاري القانون. 
(Eltayeb2hussein@gmail.com -  Eltayeb.hussein@yahoo.com)


-----------------------------------
قراءة قانونية في الحالة السودانية على ضوء القانون والسوابق القضائية الدولية
------------------------------------
تتناول وسائط التواصل الاجتماعي، في أوساط صفوة من المحامين والقانونيين، موقف الحكومة السودانية الرافض لفتح مكاتب لمنظمات ووكالات دولية تابعة للأمم المتحدة في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع بدارفور، أو توقيع اتفاقيات معها، أو تسجيل مكاتبها بمدينة نيالا. وفي هذا السياق، أحاول تناول هذه المسألة من زاوية القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، استناداً إلى الأسانيد القانونية والفقهية والسوابق القضائية الدولية ذات الصلة بالتفسير والتطبيق.
وأؤكد ابتداءً، أن مشاركتي في النقاش، بصفتي مواطناً متضرر من حالة الوضع الذي عليه وطني السودان، وبصفتي أكاديمي ويمتهن مهنة القانون محامي واستشاري قانون، وضابط شرطة متقاعداً خدم دولته لأكثر من أربعة عقود من الزمان (Decades)، وتنطلق التناول للمسألة المطروحة من موقفٍ مبدئي، ينحاز إلى ضرورة الحفاظ على كيان الدولة السودانية ومؤسساتها واستمرارية شخصيتها القانونية الدولية. لأن استمرارية الدولة تمثل شرطاً أساسياً لتجاوز حالات الانقسام والتشظي التي لا تخدم المشروع الوطني لتأسيس شرعية الدولة وإعادة بناء مؤسساتها على أسس قانونية ودستورية مستقرة. فالدولة، في مفهومها السياسي-القانوني- الدستوري، ليست مجرد سلطة سياسية عابرة، وإنما كيان قانوني وسيادي يستمد استمراره من وحدة مؤسساته وشخصيته القانونية الدولية، بما يضمن بقاءه – أي كيان الدولة - قادراً على أداء وظائفه في الداخل والخارج، رغم ما قد يعتريه من تحولات وأزمات سياسية.
ومن هذا المنطلق، فإن المقاربة القانونية لمسألة موقف الحكومة السودانية الرافض لفتح مكاتب لمنظمات ووكالات دولية تابعة للأمم المتحدة في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع بدارفور، أو توقيع اتفاقيات معها، أو تسجيل مكاتبها بمدينة نيالا، يجب أن تُفهم – في بُعدها السردي والموضوعي والمعياري – في إطار حماية مبدأ استمرارية الدولة وصون سيادتها ووحدتها القانونية، لا في إطار الاصطفافات السياسية أو المناكفات الخطابية التي تُضعف جوهر النقاش القانوني وتُبعده عن مقتضيات التحليل الموضوعي الرصين.
وكما من جهة أخرى، أن المحامين وأهل القانون، تقع عليهم مسئولية مهنية وأخلاقية ومعرفية، تقتضي تقديم قراءة قانونية متماسكة تستند إلى الأسانيد الفقهية، والقواعد الدولية للقانون، والمبادئ المستقرة في القانون الدولي، بوصفها معايير فوقية عليا حاكمة للمساءلة القانونية، وموجِّهة لتفسير القواعد الوطنية وضبط ممارسات السلطة العامة، فضلاً عن كونها تمثل، في جوهرها، امتداداً للقيم الدستورية الكلية التي تقوم عليها الدولة الحديثة في حماية الشرعية وسيادة القانون وصون الحقوق والحريات. ومن ثم، فإن هذه المعايير، لا تُفهم باعتبارها مجرد قواعد نظرية مجردة، وإنما بوصفها مرجعية معيارية ودستورية عليا تُحتكم إليها في تقييم المشروعية وضبط العلاقة بين السلطة والدولة والمجتمع.
وبناءً على ذلك، ينبغي أن يظل النقاش القانوني بعيداً عن الجدل السياسي النخبوي –الصفوي–السفسطائي الذي كثيراً ما ينقل الحوار من مساره القانوني والمعياري إلى مساحات الاستقطاب والانفعال العاطفي الأحادي والشخصاني والتهاتري، بما يُضعف القيمة الموضوعية للنقاش ولا يخدم المصلحة العامة.
فطبيعة العقل القانوني للمحامي، في تكوينه العلمي والمهني، تقوم على منهج التحليل والاستدلال والتكييف القانوني للوقائع، ومع توخي مقدار ودرجة مصداقية الوقائع، ومن ثم، ربطها بالنصوص والمبادئ والأسانيد القضائية والفقهية، لا على الانفعال أو التمترس خلف المواقف السياسية المجردة. كما أن وظيفة المحامي، بوصفه أحد حراس العدالة وسيادة القانون، تفرض عليه واجباً مهنياً وأخلاقياً يقتضي إعلاء منطق الحجة القانونية والمعيار الموضوعي، والتحرر من النزعات الخطابية والشخصانية، بما يضمن أن يظل النقاش منضبطاً بقواعد القانون، وموجهاً نحو حماية الدولة والمجتمع والنظام العام، لا نحو تعميق الاستقطاب أو إنتاج الفوضى المفاهيمية والسياسية.
وفي هذا السياق، الواجب المهني والأخلاقي للقانونيين، يقتضي إدارة النقاش من منظور معياري وتطبيقي يقوم على تحليل النصوص القاعدية التشريعية، وتفسير القواعد، وربط الوقائع بالأسانيد القانونية والفقهية والقضائية، بما يحافظ على توازن الدولة واستقرارها، ويحول دون الانزلاق إلى فراغ قانوني أو سياسي، يهدد بنيتها ومؤسساتها ووحدتها القانونية.
وبذلك، النقاش حول مآلات حالة السودان 15 ابريل 2023م، لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد سردٍ نظري أو ترفٍ فقهي، وإنما ينبغي فهمه أنه دعوة عملية لحماية الدولة السودانية من مخاطر التفكك والانهيار المؤسسي، عبر التمسك بمبدأ الشرعية الدولية واستمرارية الشخصية القانونية للدولة، بما يضمن بقاء مؤسساتها فاعلة وقادرة على ممارسة وظائفها الدستورية والقانونية، ويؤسس في الوقت ذاته، لمرحلة دستورية مستقرة، تُعاد فيها صياغة الدولة، وبناء مؤسساتها على أسس راسخة من الشرعية وسيادة القانون.
وفي هذا الإطار، أستحضر بالرحمة والمغفرة أستاذي البروفيسور/ أكولدا ماتير – عميد كلية القانون بجامعة الخرطوم 1994م وأستاذ القانون الدولي، إذ كان يؤكد دائماً أن فهم القانون الدولي، لا يكتمل إلا بالتمييز الدقيق بين قواعده العامة وفروعه المتخصصة، وعلى رأسها القانون الدولي الإنساني. وكان يرى، أن التمييز يمثل المدخل العلمي الصحيح لفهم طبيعة الالتزامات القانونية التي تحكم الدول والفاعلين في أوقات السلم والنزاعات المسلحة على السواء، بما يكشف العلاقة المركبة بين السيادة، والشرعية، والإنسان، وحدود استخدام القوة في النظام الدولي المعاصر.
فالقانون الدولي (International Law) يمثل الإطار العام الذي ينظم العلاقات بين الدول والمنظمات الدولية في مختلف الظروف، بصفتها أشخاص دولية، سواء في أوقات السلم أو النزاعات، ويستند في بنيته إلى مصادره الأساسية المتمثلة في ميثاق الأمم المتحدة United Nations Charter، والمعاهدات الدولية المتعددة الأطراف Multilateral Treaties، والقانون الدولي العرفي (Customary International Law)، والمبادئ العامة للقانون (General Principles of Law)، إضافة إلى السوابق القضائية (Judicial Precedents/ Case Law ) والفقه القانوني الدولي (International Legal Doctrine / International Legal Scholarship). ومن خلال هذه المنظومة، يسعى القانون الدولي إلى تنظيم العلاقات الدولية وضمان احترام السيادة وحفظ السلم والأمن الدوليين، بما يشمل مجالات استخدام القوة، والعلاقات الدبلوماسية، والتجارة الدولية، وحقوق الإنسان، والحدود، والبيئة. 
أما القانون الدولي الإنساني (International Humanitarian Law)، المعروف اصطلاحاً بالمصطلح اللاتيني jus in bello) - أي قانون الحرب)، فهو فرع متخصص من فروع القانون الدولي، يقتصر تطبيقه على النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، ويهدف إلى حماية المدنيين والأسرى والجرحى، وتقييد وسائل وأساليب القتال، والحد من المعاناة الإنسانية أثناء الحرب. 
ومن ثم، فإن العلاقة بين المجالين تقوم على التكامل؛ فالقانون الدولي يضع الإطار العام المنظم للسلم والحرب، بينما يركز القانون الدولي الإنساني على حماية الإنسان في ظروف النزاع المسلح.
وفي هذا الإطار من الفقه والقانون الدولي، تبرز أهمية السوابق القضائية الدولية، بوصفها أداة تفسيرية مهمة في تطوير قواعد القانون الدولي وتوضيحها، رغم أن النظام القانوني الدولي، لا يأخذ بقاعدة السابقة القضائية الملزمة (stare decisis) بالصورة المعروفة في الأنظمة الوطنية.
وبناء عليه، في قضية Corfu Channel 1949، أكدت محكمة العدل الدولية مبدأ مسئولية الدولة عن الأفعال غير المشروعة الواقعة داخل إقليمها، وقررت أن الدولة تلتزم بعدم السماح باستخدام أراضيها للإضرار بالدول الأخرى، بما رسّخ واجب الدولة في منع الإضرار بالغير انطلاقاً من أراضيها، وأكد مسئوليتها عن الإخلال بالتزاماتها الدولية.
وفي قضية Tinoco Arbitration 1923، فقد تناول النزاع، العقود التي أبرمتها حكومة كوستاريكا القائمة بحكم الأمر الواقع (De-facto) آنذاك، ورغم محدودية الاعتراف السياسي بها (الاعتراف بحكومة كوستاريكا)، أقرّ المحكّم الدولي، بأن العقود التي أبرمتها الحكومة كانت ملزمة قانونياً، لأنها كانت تمارس السلطة الفعلية على إقليم الدولة وتمثلها في علاقاتها القانونية. وقد رسّخت هذه القضية مبدأً مهماً في القانون الدولي، مؤداه، أن الحكومة التي تمارس سلطة فعلية على الدولة، يمكن أن تكتسب أهلية قانونية دولية حتى وإن كان الاعتراف السياسي بها محدوداً.
وفي قضية أرض الصومال Somaliland، استقر الفقه والقضاء الدوليان على أن الاعتراف الدولي يمثل شرطاً جوهرياً لممارسة التمثيل الدولي الكامل، وأن السيطرة العسكرية أو الإدارية وحدها لا تكفي لاكتساب صفة الدولة. ولذلك، فإن الكيانات غير المعترف بها دولياً أو الجماعات المسلحة، مهما بلغت درجة سيطرتها الميدانية، لا تملك كامل أهلية الدولة في العلاقات الدولية، وتظل الحكومة المعترف بها دولياً هي الجهة التي تمثل الدولة في المحافل الدولية.
ومن خلال هذه السوابق القضائية الدولية، يتضح أن القضاء الدولي، يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين الواقعية السياسية من جهة، ومتطلبات الشرعية القانونية الدولية من جهة أخرى، وهو ما يقود إلى مسألة الاعتراف بالحكومات في القانون الدولي، حيث يقوم هذا الاعتراف على معيارين متكاملين هما: معيار ممارسة السلطة الفعلية، ومعيار الاعتراف الدولي. فالشرعية الدولية وفق القانون والقضاء، لا تقوم فقط على الشكل الدستوري للحكومة، وإنما أيضاً على مدى قدرتها؛ على ممارسة وظائف الدولة الأساسية، وعلى مدى قبول المجتمع الدولي لها باعتبارها ممثلاً للدولة.
وفي هذا السياق الاطاري المفاهيمي للقانون والقضاء الدولي، يميز القانون الدولي بين الحكومات:
(1) الحكومات القائمة بحكم الأمر الواقع (De Facto Governments)، وهي الحكومات التي تبسط سيطرتها الفعلية على مؤسسات الدولة، وتمارس وظائف السلطة العامة، 
(2) الحكومات الانتقالية ذات الطابع السياسي–الدستوري (Government Established within a Temporary Political–Constitutional Transition)، وهي الحكومات التي تستند إلى إطار دستوري أو سياسي مؤقت يهدف إلى إدارة مرحلة انتقالية إلى حين اكتمال البناء الدستوري النهائي للدولة. 
إلا أن القانون الدولي، في الحالتين، يتعامل مع الحكومة القائمة باعتبارها ممثلة للدولة متى ما توافرت لها السيطرة الفعلية والقدرة على الوفاء بالالتزامات الدولية والاعتراف الدولي.
ويستند هذا التصور إلى مبدأين أساسيين في القانون الدولي هما: مبدأ الاستقرار الدولي، ومبدأ استمرارية الدولة. فالقانون الدولي يسعى إلى تجنب الفراغ السياسي والقانوني في العلاقات الدولية، لأن غياب سلطة معترف بها يؤدي إلى تعطيل المعاملات الدولية واضطراب تنفيذ الالتزامات الدولية وخلق حالة من الغموض والفوضى القانونية في تمثيل الدولة. ومن ثم، فإن الاعتراف بالحكومة القائمة (حالة السودان) يحقق استقراراً وظيفياً يسمح باستمرار العلاقات الدولية وإبرام الاتفاقيات وتنفيذ الالتزامات.
أما مبدأ استمرارية الدولة، فيقوم على أن الدولة، بوصفها شخصاً قانونياً دولياً، تظل قائمة رغم تغير الحكومات أو الأنظمة السياسية، فالدولة لا تزول بزوال الحكومة، كما تبقى ملتزمة بمعاهداتها والتزاماتها الدولية مهما تبدلت السلطات الداخلية. ولذلك، فإن الاعتراف بالحكومة القائمة، لا يعني بالضرورة منحها شرعية سياسية مطلقة، وإنما يهدف أساساً إلى؛ ضمان استمرار تمثيل الدولة في المجتمع الدولي، ومنع انهيار شخصيتها القانونية الدولية.
وفي ذات السياق، فقد كرّست قضية Tinoco Arbitration هذا المعنى – أي مبدأي الاستقرار الدولي واستمرارية الدولة - عندما اعتبرت محكمة العدل الدولية، أن الحكومة القائمة فعلياً تستطيع ترتيب التزامات قانونية باسم الدولة، كما أكدت التطبيقات القضائية والفقهية الدولية، أن الاعتراف الدولي يهدف، في جوهره، إلى الحفاظ على استقرار النظام الدولي، واستمرارية الدولة بوصفها فاعلاً قانونياً مستقلاً عن تغير الحكومات.
ولذلك، تستند سلطة تمثيل الدولة وإبرام الاتفاقيات الدولية، إلى قواعد مستقرة في القانون الدولي، من بينها اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969م، التي تنص المادة السادسة منها على أن (لكل دولة أهلية إبرام المعاهدات)، بما يعني أن الدول وحدها – عبر حكوماتها المعترف بها – هي صاحبة الحق في إبرام الاتفاقيات الدولية. كما يؤكد ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945م، في المادة (2/1)، مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، بينما تؤكد المادة (2/4) احترام استقلال الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخل في شئونها الداخلية. ويترتب على ذلك، أن العلاقات الرسمية الدولية، تظل من اختصاص الحكومة المعترف بها، وأن الجماعات المسلحة أو الكيانات غير الحكومية، لا تملك صلاحية تمثيل الدولة أو التصرف باسمها في العلاقات الدولية.
وفي ضوء هذه المبادئ من القانون والفقه والقضاء، فإن الحكومة السودانية الحالية، المتمثلة في مجلس السيادة وحكومة وزراة البروفيسور كامل إدريس بوصفه رئيس الوزراء، تُعد – وفقاً لمعايير القانون الدولي – هي الحكومة المعترف بها دولياً، بصرف النظر عن الجدل السياسي أو الدستوري الداخلي المرتبط بطبيعة المرحلة الانتقالية. وسواء وُصفت السلطة والحكومة بأنها حكومة أمر واقع (De Facto Government)، أو بإعتبارها حكومة قائمة في إطار انتقال سياسي – دستوري مؤقت (Government Established within a Temporary Political–Constitutional Transition)، فإنها – أي الحكومة - تظل، في جميع الأحوال، الجهة الوحيدة المخولة قانوناً بتمثيل الدولة السودانية في علاقاتها الخارجية وممارسة مظاهر السيادة وإبرام الاتفاقيات الدولية.
ويستند هذا التوصيف إلى عناصر مترابطة، تتمثل في السيطرة الفعلية على مؤسسات الدولة، والاعتراف الدولي، واستمرار الشخصية القانونية الدولية للدولة السودانية. ومن ثم، فإن أي تعامل رسمي دولي يتعلق بالدولة السودانية، يجب أن يتم عبر الحكومة المعترف بها، باعتبارها الجهة الوحيدة التي تملك أهلية تمثيل السودان في المجتمع الدولي.
وفي هذا الإطار، يثور النقاش المتعلق بعمل المنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، لا سيما في دارفور ومدينة نيالا. فإنه - وفقاً لقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني- لا يجوز – كأصل عام – للمنظمات الدولية أو وكالات الأمم المتحدة، تسجيل مكاتبها أو توقيع اتفاقيات أو مباشرة أعمال ذات طبيعة رسمية في مناطق تخضع لسيطرة جماعات مسلحة غير حكومية دون موافقة الحكومة السودانية المعترف بها دولياً. ذلك أن الجماعات المسلحة، وإن كانت تخضع لالتزامات القانون الدولي الإنساني، إلا أنها لا تكتسب صفة الدولة، ولا تملك أهلية التمثيل الدولي أو إبرام الاتفاقيات الدولية.
فالقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك اتفاقيات جنيف لعام 1949م والبروتوكولات الإضافية 1977م، يفرض على الجماعات المسلحة غير الحكومية، التزامات إنسانية تتعلق بحماية المدنيين واحترام قواعد النزاع المسلح، لكنه لا يمنحها صفة الدولة أو حق تمثيلها دولياً. ولذلك، فإن أي تعامل أممي أو دولي مع مناطق سيطرة الدعم السريع يظل، من الناحية القانونية، خاضعاً لموافقة الحكومة السودانية أو التنسيق معها، باعتبارها صاحبة السيادة والشرعية الدولية.
ومع ذلك، فإن القانون الدولي، يقر بوجود استثناءات محدودة، تتعلق بالضرورة الإنسانية. ففي حالات الكوارث الإنسانية أو النزاعات المسلحة واسعة النطاق Humanitarian Disasters or Large-Scale Armed Conflicts، قد يُسمح للمنظمات الإنسانية بالوصول إلى مناطق خارج سيطرة الحكومة، لكن ذلك يظل خاضعاً لضوابط قانونية محددة. فالمادة (70) من البروتوكول الإضافي الأول 1977م لاتفاقيات جنيف 1949م تشترط الحصول على موافقة الدولة المعنية أو التنسيق معها بشأن عمليات الإغاثة الإنسانية، كما أن مجلس الأمن الدولي، بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة 1945م، يملك إصدار قرارات ملزمة تسمح بإدخال المساعدات الإنسانية أو عمل المنظمات والوكالات الدولية دون موافقة الحكومة، إذا اعتبر أن ذلك ضروري لحفظ السلم والأمن الدوليين.
إلا أنه من جهة أخرى، الاستثناء يظل استثنائياً ومحدوداً، ولا يترتب عليه أي اعتراف سياسي أو قانوني بالجماعات المسلحة، كما لا ينشئ للجماعات المسلحة صفة الدولة أو يمنحها أهلية إبرام الاتفاقيات الدولية. وإنما يظل الغرض منه معالجة الضرورات الإنسانية العاجلة مع الحفاظ على مبدأ سيادة الدولة واستمرارية شخصيتها القانونية الدولية.
وبناءً على ذلك، فإن الحكومة السودانية الحالية – سواء اعتُبرت حكومة أمر واقع (De Facto Governments)، أو حكومة انتقالية ذات طابع سياسي–دستوري (Government Established within a Temporary Political–Constitutional Transition)– تظل، هي الحكومة والجهة الوحيدة التي تملك الشرعية الدولية، لتمثيل الدولة السودانية، وإبرام الاتفاقيات الدولية. وعليه، فإن المنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة، لا يجوز لها، كأصل عام، تسجيل مكاتبها أو إبرام اتفاقيات في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، دون موافقة الحكومة السودانية، إلا في حالات استثنائية ضيقة، تتعلق بالضرورة الإنسانية أو بناءً على قرار صريح صادر من مجلس الأمن الدولي.
وهكذا، يتضح أن القانون الدولي، يسعى دائماً إلى تحقيق توازن بين الواقعية السياسية المتمثلة في السلطة الفعلية، والشرعية القانونية القائمة على الاعتراف الدولي، بما يضمن استقرار النظام الدولي واستمرارية الدولة، ويحول دون نشوء فراغ قانوني أو سياسي في العلاقات الدولية، ويؤكد في الوقت ذاته، أن النظرية القانونية، لا تنفصل عن التطبيق العملي الذي ترسمه السوابق القضائية الدولية في أحكامها وتفسيراتها.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي إستشاري القانون والموثق
13 مايو 2026م

 📌لمتابعة جميع المقالات و الاخبار و الوظائف و الدورات التدريبية القانونية عبر قروبات "وعي قانوني" انضم لاحد القروبات

 بالضغط هنا ⚖️ أو للمتابعة عبر تطبيق "خدمات قانونية" قم بتحميله بالضغط هنا

♻️ شارك المنشور تكرما ♻️
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -