العقود المقومة بالنقد الأجنبي في السودان بين مشروعية الالتزام، وحظر التعامل بالنقد الأجنبي، وأثر المخالفة على العقد ومسؤولية المحامي الموثق - دراسة قانونية في ضوء قانون تنظيم التعامل بالنقد لسنة 1981م ولائحة تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي واللوائح والأوامر اللاحقة والسوابق القضائية السودانية
تمهيد :
أفرز التدهور المستمر في قيمة العملة الوطنية، وما صاحب ذلك من تقلبات حادة في أسعار الصرف، ظاهرة متزايدة في المعاملات المدنية والتجارية داخل السودان، تتمثل في تحديد قيمة البيع أو الإيجار أو بعض الالتزامات المالية بالنقد الأجنبي، ولا سيما الدولار الأمريكي.
وأصبح من المألوف أن نجد عقد إيجار ينص على أن الأجرة الشهرية مبلغ محدد بالدولار، أو عقد بيع يحدد الثمن بالدولار، أو أن يتفق الطرفان على أن يكون السداد بالدولار أو بما يعادله بالجنيه السوداني.
وهنا يثور سؤال قانوني بالغ الأهمية:
هل مجرد تحديد الثمن أو الأجرة بالنقد الأجنبي يشكل مخالفة لقانون تنظيم التعامل بالنقد لسنة 1981م ولائحته؟ وهل يترتب على ذلك بطلان العقد؟ وإذا كان البطلان لا يلحق العقد كله، فهل يسقط فقط شرط المقابل؟ وما موقف القضاء السوداني من مثل هذه العقود؟ وهل يتحمل المحامي أو موثق العقد مسؤولية إذا قام بتوثيق عقد مقوم بالدولار؟
والإجابة عن هذه الأسئلة لا تستقيم إلا بالتمييز بين ثلاثة أمور مختلفة:
1. الاتفاق على تحديد الالتزام بالنقد الأجنبي.
2. التعامل أو الوفاء الفعلي بالنقد الأجنبي.
3. مدى مشروعية العقد ذاته وأثر مخالفة القواعد التنظيمية للنقد الأجنبي عليه.
وهذا التمييز هو مفتاح فهم المسألة.
أولاً: الإطار التشريعي للنقد الأجنبي:
صدر قانون تنظيم التعامل بالنقد لسنة 1981م لتنظيم التعامل بالنقد الأجنبي، وأناط بالمحافظ سلطة إصدار اللوائح والأوامر اللازمة لتنفيذ أحكام القانون.
وقد نصت المادة (5) من القانون على أن التعامل بالنقد الأجنبي واستيراده وتصديره يكون وفقاً لما تقرره اللوائح، كما خولت المادة (8) المحافظ إصدار اللوائح والأوامر اللازمة لتنفيذ القانون.
ثم صدرت لائحة تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي لسنة 1999م، وتلتها تعديلات وأوامر في سنوات لاحقة، ومن بينها أوامر سنة 2001م.
ومن أهم ما صدر في سنة 2001م الأمر رقم (7/2001) الذي قرر عدم جواز التعامل بالنقد الأجنبي بيعاً أو شراءً أو بأي وجه آخر إلا للمصارف والجهات المرخص لها بواسطة بنك السودان.
لكن يجب التنبيه إلى مسألة تشريعية مهمة:
لائحة سنة 1999م وأوامر سنة 2001م ليست هي آخر تنظيم صدر في هذا المجال.
فقد صدرت لاحقاً لائحة تنظيم التعامل بالنقد لسنة 2013م، وألغت صراحة لائحة سنة 1999م والتعديلات اللاحقة لها، مع إبقاء الإجراءات التي تمت في ظلها إلى أن تلغى أو تعدل.
ومن ثم فإن الاستناد إلى أمر سنة 2001م وحده لتحديد المركز القانوني لعقد أبرم في تاريخ لاحق لا يكون دقيقاً، وإنما يجب الرجوع إلى القانون واللائحة والأوامر والمنشورات السارية في تاريخ إبرام العقد وتنفيذه.
ثانياً: هل مجرد تحديد الأجرة أو الثمن بالدولار يعتبر مخالفة؟
هذه هي النقطة المركزية في الموضوع.
والإجابة الدقيقة هي:
ليس بالضرورة أن يؤدي مجرد التعبير عن المقابل بالنقد الأجنبي إلى بطلان العقد.
والدليل الأقوى على ذلك هو السابقة القضائية السودانية المباشرة في قضية:
يوراكس أكورد /ضد/ أمين علي حسن.
وهي قضية فصلت فيها محكمة استئناف الإقليم الشرقي بتاريخ 13 يناير 1987م، وكانت وقائعها تدور حول عقد إيجار لعقارين في بورتسودان، وكانت الأجرة المتفق عليها 400 دولار أمريكي شهرياً.
وقد دفع المستأنفون بأن العقد غير مشروع لمخالفته قانون تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي لسنة 1981م واللوائح الصادرة بموجبه، لأن الأجرة اتفق على دفعها بالنقد الأجنبي.
إلا أن المحكمة بحثت المسألة بصورة دقيقة، وانتهت إلى أن:
التعاقد بمقابل نقد أجنبي لا يكون مخالفاً للقانون في حد ذاته، وإنما قد تنشأ المخالفة من طريقة التعامل بالنقد الأجنبي أو الوفاء به.
وأكدت المحكمة أن العقد، متى استوفى أركانه القانونية من رضا ومحل وسبب، لا يصبح غير مشروع لمجرد كون المقابل محدداً بعملة أجنبية.
وهذا المبدأ القضائي مهم للغاية؛ لأنه يضع حداً للخلط بين الالتزام العقدي وبين العملية النقدية التي يتم بها تنفيذ الالتزام.
ثالثاً: الفرق بين «تقويم الالتزام» و«التعامل بالنقد الأجنبي»
من الناحية القانونية يجب التفريق بين:
1. أن يقول العقد:
«"الأجرة الشهرية ألف دولار أمريكي."»
وبين:
2. أن يتفق الطرفان على:
«"يتم دفع الألف دولار نقداً داخل السودان خارج القنوات المصرفية المرخصة."»
فالأول يتعلق أساساً بتحديد مقدار الالتزام.
أما الثاني فيتعلق بكيفية تنفيذ الالتزام والتعامل بالنقد الأجنبي.
وهذا الفرق ليس شكلياً، بل له آثار قانونية مهمة.
فقد يكون العقد صحيحاً من حيث إنشائه، بينما تكون طريقة الوفاء مخالفة للضوابط النقدية.
وهذا هو الاتجاه الذي يمكن استخلاصه بوضوح من سابقة يوراكس أكورد، التي فرقت بين عدم مشروعية العقد ذاته وبين مخالفة إجراءات التعامل بالنقد الأجنبي عند التنفيذ.
رابعاً: ولكن ماذا عن القول بأن الجنيه السوداني هو العملة المبرئة للذمة؟
تتطلب المسألة هنا قراءة النص التنظيمي كاملاً.
فقد نصت لائحة تنظيم التعامل بالنقد لسنة 2013م على أن:
الجنيه السوداني هو العملة الوحيدة المبرئة للذمة داخل السودان.
ثم جاءت مباشرة باستثناء مهم، إذ أجازت بيع وشراء العقارات والسلع والخدمات وإيجار العقارات أو غيرها بالنقد الأجنبي بعد الحصول على موافقة المحافظ المسبقة، مع جواز وضع الضوابط والشروط الخاصة بكيفية التصرف في مبلغ النقد الأجنبي.
ومن هنا يتضح أن المسألة ليست حظراً مطلقاً للنقد الأجنبي.
بل إن التنظيم يقوم على قاعدة:
الأصل هو الجنيه السوداني، والاستثناء هو جواز التعامل بالنقد الأجنبي وفق الضوابط والموافقة المقررة.
وهذا يختلف جذرياً عن القول بأن:
«"كل عقد يحدد ثمنه أو أجرته بالدولار هو عقد باطل."»
فهذا التعميم لا ينسجم مع النص التنظيمي ذاته.
خامساً: موقف اللائحة من بيع العقارات وإيجارها بالنقد الأجنبي.
من أكثر النصوص أهمية في الموضوع المادة (17) من لائحة تنظيم التعامل بالنقد لسنة 2013م، التي قررت أنه رغم كون الجنيه السوداني العملة المبرئة للذمة، يجوز بيع وشراء العقارات أو السلع أو الخدمات أو إيجار العقارات بالنقد الأجنبي بعد الحصول على موافقة المحافظ المسبقة.
وهذا يعني أن المشرع التنظيمي لم يعتبر التعامل بالنقد الأجنبي في العقارات أمراً مستحيلاً أو باطلاً بطبيعته، وإنما أخضعه لشرط تنظيمي سابق هو الحصول على الموافقة.
وعليه يمكن القول:
إذا كان العقد قد أبرم بعد دخول هذه القاعدة حيز التطبيق، فإن غياب الموافقة المطلوبة قد يشكل مخالفة تنظيمية، ولكن يجب ألا يقفز الباحث من هذه النتيجة مباشرة إلى القول ببطلان العقد بأكمله.
فالبطلان يحتاج إلى أساس قانوني واضح، ويجب تحديد ما إذا كان النص الذي تمت مخالفته قصد به المشرع إعدام التصرف ذاته أم مجرد تنظيم طريقة تنفيذه.
سادساً: هل يؤدي عدم الحصول على موافقة بنك السودان إلى بطلان العقد كله؟
هنا يجب التمييز بين المخالفة التنظيمية والبطلان المدني.
ليس كل مخالفة لنص تنظيمي تؤدي بالضرورة إلى انعدام العقد.
فالبطلان نتيجة قانونية خطيرة لا يفترض افتراضاً، وإنما يستند إلى نص أو إلى طبيعة القاعدة القانونية والغرض الذي قصد المشرع تحقيقه.
والسابقة القضائية في قضية يوراكس أكورد تؤيد هذا الاتجاه في سياق قانون النقد، إذ رفضت المحكمة اعتبار مجرد الاتفاق على المقابل بالنقد الأجنبي سبباً لانعدام العقد، وأكدت أن المخالفة التي قد تقع أثناء التنفيذ لا تستلزم بالضرورة أن يكون العقد نفسه غير مشروع.
ومن ثم، ففي التحليل القانوني السليم يجب طرح السؤال الآتي:
هل المخالفة مست العقد من أساسه، أم أنها مست طريقة الوفاء أو التعامل بالنقد الأجنبي؟
فإذا كانت المخالفة متعلقة بطريقة الدفع أو التعامل بالنقد الأجنبي، فإن القول ببطلان العقد كله يحتاج إلى سند إضافي.
سابعاً: هل يبطل المقابل وحده مع بقاء باقي شروط العقد؟
هذه المسألة أكثر تعقيداً من مجرد القول بصحة العقد أو بطلانه.
فإذا كان المقابل بالدولار هو عنصر جوهرياً في رضا الطرفين، وكان واضحاً أن المتعاقدين لم يكونا ليبرما العقد لولا الاتفاق على هذا المقابل تحديداً، فقد يصبح إهدار شرط المقابل مؤثراً في أصل الرضا.
أما إذا كان الاتفاق بالدولار مجرد وسيلة لتحديد قيمة الالتزام وحمايته من تقلب العملة، وكان بالإمكان قانوناً الوفاء بما يعادله بالجنيه السوداني وفق سعر صرف معتبر قانوناً، فقد يكون من الممكن الفصل بين أصل العقد وبين طريقة الوفاء
ولهذا لا يصح إطلاق قاعدة عامة تقول:
«"إذا بطل شرط العملة الأجنبية بقي العقد صحيحاً دائماً."»
ولا يصح كذلك القول:
«"إذا كان المقابل بالدولار بطل العقد كله."»
بل يتعين بحث:
- طبيعة العقد.
- صياغة شرط الثمن أو الأجرة.
- مدى جوهرية العملة الأجنبية في إرادة الطرفين.
- وجود نص يجعل العملة الأجنبية ركناً في العقد.
- النصوص التنظيمية السارية وقت إبرام العقد.
- طبيعة المخالفة.
- إمكانية تنفيذ الالتزام بصورة مشروعة.
- وما إذا كان الفصل بين الشرط وبقية العقد ممكناً دون تغيير جوهر الصفقة.
ثامناً: هل للمحكمة أن تحكم بالقيمة بالدولار؟
السابق القضائي السوداني المشار إليه يقدم إجابة عملية مهمة.
ففي قضية يوراكس أكورد ضد أمين علي حسن صدر الحكم بمبلغ 5,600 دولار أمريكي أو ما يعادله بالعملة السودانية وفق تقدير بنك السودان.
وهذا يكشف عن اتجاه قضائي مهم، مؤداه أن كون الالتزام مقوماً بالدولار لا يمنع المحكمة بالضرورة من حماية الحق المالي، مع مراعاة كيفية الوفاء بالعملة داخل السودان.
ومن ثم فإن المحكمة لا ينبغي أن تخلط بين:
قيمة الالتزام العقدي
وبين:
عملة الوفاء القضائي.
وقد يكون من الممكن أن يكون الدين محدداً بالدولار، بينما يكون الوفاء القضائي بالجنيه السوداني وفق الآلية التي يقررها القانون أو المحكمة أو الجهة المختصة.
تاسعاً: هل تقبل المحاكم السودانية العقد المقوم بالدولار عند نشوب النزاع؟
نعم، من حيث الأصل لا يوجد ما يبرر القول إن المحكمة ترفض العقد لمجرد أن المقابل فيه محدد بالنقد الأجنبي.
والسابقة القضائية المباشرة تؤكد ذلك.
ففي يوراكس أكورد كان عقد الإيجار نفسه مقوماً بالدولار، ومع ذلك نظرت المحكمة في العقد وفسرت شروطه، وبحثت الإخلال به والتعويض المترتب عليه، ولم تعتبر مجرد تحديد الأجرة بالدولار سبباً لانعدام العقد.
بل إن المحكمة ذهبت إلى أبعد من ذلك، إذ تعاملت مع قيمة التعويض بالدولار أو ما يعادلها بالعملة السودانية.
ومن هنا فإن توثيق العقد أو إيداعه أمام المحكمة لا يفقده قيمته القانونية لمجرد ورود العملة الأجنبية في بند المقابل.
لكن ذلك لا يعني أن كل طريقة دفع منصوص عليها في العقد ستكون مشروعة.
عاشراً: أثر المخالفة على التنفيذ
ينبغي هنا التفريق بين مرحلتين:
المرحلة الأولى: إنشاء العقد
وفيها يسأل القاضي:
هل توافرت أركان العقد وشروط صحته؟
المرحلة الثانية: تنفيذ العقد
وفيها يسأل:
هل تمت عملية الدفع أو التحويل أو التعامل بالنقد الأجنبي وفق القواعد المنظمة؟
وقد تكون الإجابة:
العقد صحيح، لكن طريقة التنفيذ مخالفة.
وهذا التفريق يجد سنده القوي في سابقة يوراكس أكورد، حيث رفضت المحكمة أن تجعل مجرد مخالفة الإجراءات الخاصة بالنقد الأجنبي سبباً تلقائياً لإعدام العقد من أساسه.
الحادي عشر: المسؤولية الجنائية عن التعامل المخالف.
ينبغي عدم التقليل من أهمية الجانب الجنائي.
فقانون تنظيم التعامل بالنقد لسنة 1981م يقرر عقوبات على مخالفة أحكام القانون أو اللوائح أو الأوامر الصادرة بموجبه، وقد ورد فيه تقرير عقوبة تصل إلى السجن والغرامة ومصادرة النقد الأجنبي موضوع الجريمة.
كما أن تعديل سنة 2011م شدد من تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي، فنص على أنه لا يجوز التعامل بالنقد الأجنبي إلا من الأشخاص المرخص لهم والمصارف والجهات المعتمدة، واعتبر مخالفة ذلك من جرائم الاتجار بالنقد الأجنبي.
وبالتالي فإن القول بصحة العقد مدنياً لا يعني إطلاقاً أن الأطراف يستطيعون تنفيذ الالتزام بالنقد الأجنبي بأي وسيلة يريدونها.
فقد يكون:
العقد صحيحاً مدنياً، بينما تكون وسيلة الوفاء أو التعامل مخالفة تستوجب المسؤولية وفق قانون النقد واللوائح الصادرة بموجبه.
الثاني عشر: ماذا عن مسؤولية المحامي أو موثق العقد؟
هذه المسألة تحتاج إلى قدر كبير من الدقة.
فالمحامي أو موثق العقد لا يصبح مسؤولاً لمجرد أنه أثبت في العقد أن الثمن أو الأجرة محددة بالدولار.
فالمسؤولية لا تنشأ من مجرد تحرير العبارة، وإنما قد تنشأ إذا ثبت أن المحامي:
1. علم بوجود مخالفة قانونية محددة.
2. شارك بصورة إيجابية في تنفيذ التعامل المحظور.
3. تعمد ترتيب وسيلة دفع مخالفة للقانون.
4. قدم إرشاداً قانونياً يؤدي إلى التحايل على أحكام النقد الأجنبي.
5. أو ساهم في إتمام معاملة يعلم أنها تشكل جريمة أو مخالفة قانونية.
أما إذا اقتصر دوره على صياغة إرادة الأطراف وإثباتها دون الاشتراك في عملية التعامل بالنقد الأجنبي، فإن مجرد وجود الدولار في العقد لا يكفي بذاته لإقامة مسؤوليته.
ومع ذلك فإن واجب الحيطة المهنية يقتضي من المحامي والموثق ألا يكتفيا بصياغة بند المقابل، بل أن يوضحا للأطراف أن الوفاء بالنقد الأجنبي داخل السودان يجب أن يتم وفق الضوابط المصرفية والتنظيمية السارية.
وهذا هو الأسلوب الأكثر أماناً من الناحية المهنية.
الثالث عشر: هل التوثيق يصحح المخالفة؟
الإجابة:
لا.
التوثيق لا يحول التصرف غير المشروع إلى تصرف مشروع، كما أن عدم التوثيق لا يجعل العقد الصحيح باطلاً متى كان القانون لا يشترط شكلاً معيناً لانعقاده.
فوظيفة التوثيق هي إثبات التصرف وصياغته وإعطاؤه الحجية التي يرتبها القانون، وليس منح الأطراف ترخيصاً لممارسة نشاط محظور.
وعليه:
إذا كان التعامل بالنقد الأجنبي يحتاج إلى موافقة أو إجراء مصرفي، فإن توقيع المحامي أو الموثق على العقد لا يقوم مقام تلك الموافقة.
وهذه قاعدة عملية يجب أن تكون واضحة في صياغة العقود.
الرابع عشر: هل الأفضل أن ينص العقد على الدولار أم على الجنيه السوداني؟
الإجابة تتوقف على الهدف من البند.
فإذا كان الغرض حماية القيمة الاقتصادية للالتزام من تدهور العملة، فإن الصياغة الأكثر أماناً من الناحية العملية يجب أن تراعي:
- تحديد العملة المرجعية.
- تحديد كيفية احتساب ما يعادلها بالجنيه السوداني.
- تحديد تاريخ سعر الصرف.
- تحديد الجهة أو الآلية المعتمدة لتحديد سعر الصرف.
- تحديد مكان وطريقة الوفاء.
- مراعاة القواعد المصرفية النافذة.
- عدم النص على وسيلة دفع يعلم الأطراف أنها محظورة.
وهنا يكون من الأفضل أن تصاغ الالتزامات بطريقة لا تجعل العقد أسيراً لوسيلة دفع قد تكون محل حظر تنظيمي.
الخامس عشر: الفرق بين «الدولار كعملة وفاء» و«الدولار كوحدة حساب».
وهذا من أهم الفروق التي ينبغي للمحامين الانتباه إليها.
فقد يكون الدولار:
أ- عملة وفاء
أي أن المدين ملزم فعلاً بتسليم دولارات.
أو:
ب- وحدة حساب
أي أن الطرفين استخدما الدولار فقط لتحديد القيمة الاقتصادية، على أن يتم الوفاء بالجنيه السوداني وفق آلية محددة.
والأثر القانوني لكل صورة قد يختلف اختلافاً كبيراً.
ففي الصورة الأولى نحن أمام تعامل فعلي بالنقد الأجنبي، وقد تدخل الضوابط المصرفية بصورة مباشرة.
أما في الصورة الثانية، فقد يكون النزاع منصباً أساساً على تحديد قيمة الالتزام بالعملة المحلية.
ولهذا فإن صياغة العقد بصورة دقيقة قد تمنع كثيراً من المنازعات.
السادس عشر: هل تغير الظروف الاقتصادية يبرر الاتفاق على الدولار؟
لا شك أن الانخفاض الحاد في قيمة العملة الوطنية قد يكون سبباً اقتصادياً مشروعاً دفع المتعاقدين إلى اعتماد الدولار معياراً للقيمة.
لكن الاعتبار الاقتصادي لا يلغي النص القانوني.
فالقاعدة هي:
الحاجة الاقتصادية لا تنشئ ترخيصاً قانونياً.
ومن ثم فإن اتفاق الطرفين يجب أن يظل خاضعاً للقواعد النقدية السارية وقت إبرام العقد وتنفيذه.
وفي المقابل، فإن مجرد وجود سبب اقتصادي مشروع لحماية قيمة العقد لا يجعل الاتفاق ذاته جريمة أو عقداً باطلاً بصورة تلقائية.
السابع عشر: نقطة مهمة جداً بشأن تاريخ العقد
من الأخطاء المتكررة في دراسة هذه المسألة الاستناد إلى نص واحد دون تحديد تاريخ العقد.
فالقواعد النقدية في السودان تغيرت عدة مرات.
فمثلاً:
- قانون تنظيم التعامل بالنقد لسنة 1981م وضع الإطار الأساسي.
- صدرت لوائح لاحقة لتنظيم التعامل.
- صدرت أوامر في 2001م.
- صدرت تعديلات في 2003م و2005م.
- صدر تعديل للقانون في 2011م.
- ثم صدرت لائحة تنظيم التعامل بالنقد لسنة 2013م التي ألغت لائحة 1999م وتعديلاتها السابقة.
ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس:
«هل العقد المقوم بالدولار قانوني أم غير قانوني؟»
وإنما:
«ما هو النص النقدي النافذ في تاريخ إبرام العقد؟ وما هو النص النافذ وقت تنفيذ الالتزام؟ وما طبيعة الفعل الذي وقع في ظل كل مرحلة؟»
وهذا التفريق قد يغير نتيجة الدعوى بصورة جوهرية.
الثامن عشر: المبدأ القضائي الذي ينبغي التمسك به أمام المحكمة
إذا أثير في دعوى مدنية دفع بأن العقد باطل لمجرد تحديد الثمن أو الأجرة بالنقد الأجنبي، فإن من أقوى ما يمكن التمسك به هو المبدأ الذي أرسته محكمة استئناف الإقليم الشرقي في يوراكس أكورد ضد أمين علي حسن.
فالمحكمة بحثت صراحة ما إذا كان الاتفاق على الأجرة بالدولار يجعل العقد غير مشروع، وانتهت إلى أن التعاقد بمقابل نقد أجنبي لا يكون مخالفاً للقانون في حد ذاته، وإنما قد تنشأ المخالفة من التعامل أو التنفيذ وفق الظروف والضوابط القانونية.
وهذا المبدأ مهم جداً في دعاوى:
- الإيجارات.
- البيع.
- التعويضات.
- الديون.
- تنفيذ العقود.
- المطالبة بمقابل عقدي محدد بالدولار.
التاسع عشر: ولكن هل تكفي سابقة سنة 1987م لحسم كل العقود الحالية؟
لا.
وهنا يجب أن نكون أكثر دقة.
سابقة يوراكس أكورد تظل ذات قيمة قضائية كبيرة باعتبارها سابقة مباشرة في موضوع المقابل بالنقد الأجنبي، لكنها صدرت في ظل إطار تشريعي وتنظيمي سابق.
أما بعد صدور تعديلات قانون النقد ولوائح 2013م، فقد أصبح النص التنظيمي أكثر صراحة في اشتراط الموافقة المسبقة بالنسبة لبيع وشراء العقارات وإيجارها بالنقد الأجنبي.
ومن ثم لا يجوز استخدام السابقة القديمة بصورة آلية للقول إن كل عقد حالي مقوم بالدولار صحيح دون النظر إلى التنظيم النافذ وقت العقد.
الصحيح هو استخدام السابقة في تمييز صحة العقد عن المخالفة التنظيمية، ثم قراءة النصوص اللاحقة لمعرفة أثر المخالفة في الحالة المعروضة.
العشرون: النتيجة القانونية
يمكن تلخيص الموقف في المبادئ الآتية:
المبدأ الأول:
مجرد تحديد ثمن البيع أو أجرة الإيجار بالنقد الأجنبي لا يعني بذاته وبصورة آلية بطلان العقد.
المبدأ الثاني:
يجب التمييز بين تحديد قيمة الالتزام بالنقد الأجنبي وبين التعامل الفعلي بالنقد الأجنبي وفاءً أو تحويلاً أو تداولاً.
المبدأ الثالث:
الوفاء بالنقد الأجنبي داخل السودان يخضع للقواعد والضوابط الصادرة بموجب قانون تنظيم التعامل بالنقد.
المبدأ الرابع:
لائحة تنظيم التعامل بالنقد لسنة 2013م قررت أن الجنيه السوداني هو العملة الوحيدة المبرئة للذمة داخل السودان، لكنها أجازت بيع وشراء العقارات وإيجارها بالنقد الأجنبي بعد الحصول على موافقة المحافظ المسبقة.
المبدأ الخامس:
مخالفة التنظيم النقدي لا تعني بالضرورة بطلان العقد كله، وإنما يجب بحث طبيعة النص المخالف والغرض منه وأثر المخالفة على أركان العقد.
المبدأ السادس:
لا يجوز القول بصورة مطلقة إن شرط العملة الأجنبية يبطل وحده مع بقاء العقد، كما لا يجوز القول بصورة مطلقة إن العقد كله يبطل؛ فالأمر يتوقف على مدى جوهرية الشرط وإمكان الفصل بينه وبين باقي العقد.
المبدأ السابع:
المحاكم السودانية لا ترفض العقد لمجرد أن المقابل فيه محدد بالدولار، والسوابق القضائية تؤكد إمكان حماية الالتزام المقوم بالنقد الأجنبي والحكم بما يعادله بالعملة السودانية وفق الآلية التي تقررها المحكمة.
المبدأ الثامن:
توثيق العقد لا يغني عن الحصول على الترخيص أو الموافقة النقدية التي يتطلبها القانون.
المبدأ التاسع:
مسؤولية المحامي أو موثق العقد لا تنشأ لمجرد تحرير عقد يتضمن مقابلاً بالنقد الأجنبي، وإنما قد تنشأ إذا ثبت اشتراكه أو مساهمته أو علمه بتعامل محظور أو تحايل على القانون.
المبدأ العاشر:
يجب دائماً تحديد القانون واللائحة والمنشور النافذ في تاريخ إبرام العقد وتنفيذه، لأن تنظيم النقد الأجنبي في السودان مر بمراحل تشريعية وتنظيمية متعددة.
خاتمة:
إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه العمل القانوني هو اختزال مسألة معقدة في عبارة واحدة من قبيل:
««العقد بالدولار باطل لأنه مخالف لقانون النقد الأجنبي.»»
فهذه العبارة، على إطلاقها، لا تكفي قانوناً.
فالواجب هو التمييز بين العقد والمقابل وعملة الوفاء ووسيلة الدفع والتعامل بالنقد الأجنبي والمخالفة التنظيمية.
وقد أرست محكمة استئناف الإقليم الشرقي في قضية يوراكس أكورد ضد أمين علي حسن اتجاهاً بالغ الأهمية حين لم تعتبر مجرد الاتفاق على الأجرة بالدولار سبباً لانعدام العقد، وميزت بين صحة العقد وبين المخالفة التي قد تنشأ من طريقة التعامل بالنقد الأجنبي.
غير أن هذا المبدأ يجب أن يقرأ اليوم في ضوء التطور التشريعي والتنظيمي اللاحق، وبالأخص لائحة تنظيم التعامل بالنقد لسنة 2013م التي جعلت الأصل هو الجنيه السوداني، وأخضعت بيع وشراء العقارات وإيجارها بالنقد الأجنبي للموافقة المسبقة وفق الضوابط المقررة.
وعليه، فإن العقد المقوم بالنقد الأجنبي ليس بالضرورة عقداً باطلاً، ولكن طريقة إبرامه وتنفيذه يجب أن تكون متوافقة مع التنظيم النقدي النافذ وقت التعامل.
وهذه هي القاعدة التي ينبغي أن يهتدي بها المحامي عند صياغة العقود، وأن يهتدي بها القاضي عند الفصل في المنازعات، وأن يدركها المتعاقد قبل أن يجعل الدولار لغة لعقده.
📌لمتابعة جميع المقالات و الاخبار و الوظائف و الدورات التدريبية القانونية عبر قروبات "وعي قانوني" انضم لاحد القروبات