الشمالية بين ثروة الذهب وحماية المجتمع

موجز الاخبار

الشمالية بين ثروة الذهب وحماية المجتمع

 الشمالية بين ثروة الذهب وحماية المجتمع


✍️ بقلم: عبدالقادر الحبرابي

المحامي والمستشار القانوني

واتساب: 249919990411+


أعادت حادثة إحراق أحد المساجد في منطقة البوم، بمناطق التعدين، إلى الواجهة سؤالاً أكبر من الحادثة ذاتها: 
كيف نحمي الولاية الشمالية ومجتمعها من الآثار السلبية التي صاحبت التوسع العشوائي في التعدين وحركة السكان الواسعة نحو مناطق الذهب؟
فالولاية الشمالية ليست مجرد أرض غنية بالذهب، وإنما هي موطن حضارات ضاربة في أعماق التاريخ، ومجتمع عُرف عبر أجيال بالتماسك والتكافل والقيم الاجتماعية والدينية الراسخة.
ولذلك فإن التعامل مع ظاهرة التعدين لا ينبغي أن ينحصر في كمية الذهب المستخرج والعائدات المالية، بل يجب أن ينظر إلى كلفة التعدين الاجتماعية والأمنية والبيئية والديمغرافية أيضاً.
التعدين في ذاته ليس المشكلة، والوافد إلى الشمالية ليس مشكلة إذا وفد ملتزما بالضوابط المنظمة للتعدين و أن يكون حريصا علي حقوق المكون المحلي  فالسودان وطن واحد، ومن حق كل سوداني أن يبحث عن الرزق حيثما وجد فرصة العمل. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التعدين إلى تجمعات بشرية واقتصادية ضخمة خارج التخطيط والرقابة وسيادة القانون.
فمع تمدد مناطق التعدين العشوائي تظهر بالضرورة تحديات تتعلق بالجريمة والمخدرات والسلاح والنزاعات الاجتماعية، فضلاً عن الضغط على الخدمات والموارد، والتلوث البيئي، وتهديد الآثار، وتغير طبيعة المجتمعات المحلية.
ومن هنا فإن الحديث عن التغيير الديمغرافي يجب ألا يتحول إلى خطاب ضد الوافدين أو إلى تمييز قبلي أو جهوي؛ وإنما ينبغي أن يكون حديثاً عن إدارة السكان وتنظيم الإقامة والعمل والهجرة الداخلية وفق سياسة واضحة للدولة.
فليس من المنطقي أن تنشأ مدن وأسواق ضخمة حول مناطق التعدين دون أن تعرف الدولة بصورة دقيقة حجم السكان، وطبيعة النشاط الاقتصادي، ومصادر العمالة، واحتياجات المنطقة الأمنية والصحية والخدمية.
كما أن حادثة المسجد ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها خلافاً عابراً فحسب، بل باعتبارها جرس إنذار يؤكد ضرورة منع انتقال الخلافات الفكرية أو الدينية إلى مناطق التعدين وتحولها إلى عنف جماعي ودور العبادة يجب أن تظل فوق الصراعات، والدولة وحدها هي صاحبة الحق في إنفاذ القانون ومحاسبة كل من يعتدي عليها، أياً كانت هويته أو انتماؤه.
والحل في إغلاق الشمالية أمام كل متفلت غير منضبط، يعمل علي نشر الفوضى.
وذلك يتطلب:
- تنظيم مناطق التعدين وفق تخطيط عمراني وأمني واضح.
- إنشاء سجل منظم للعاملين والمقيمين بمناطق التعدين.
- تعزيز الوجود الشرطي والعدلي الدائم والمتخصص.
- فرض رقابة صارمة على السلاح والمخدرات والجريمة.
- تنظيم الخطاب الديني ودور العبادة بما يحفظ حرمتها ويمنع التحريض.
- حماية البيئة والمياه والزراعة من مخلفات التعدين.
- حماية المواقع الأثرية من العبث والتعدين.
- تخصيص جزء عادل من عائدات الذهب لتنمية المجتمعات المحلية.
- توفير بدائل اقتصادية للشباب، خاصة في الزراعة والصناعات المرتبطة بالتمور والثروة الحيوانية والسياحة.
والأهم من ذلك كله أن تشارك المجتمعات المحلية وأبناء الولاية في وضع السياسات المتعلقة بالتعدين والسكان والتنمية، لأن حماية المجتمع لا يمكن أن تُفرض من أعلى دون مشاركة أهله.
إن الهوية لا تُحمى بإقصاء الآخرين، وإنما تُحمى بالتعليم والثقافة والتنمية وسيادة القانون. والمجتمع الواثق من تاريخه وحضارته لا يخشى التنوع، لكنه في الوقت ذاته لا يسمح بأن تتحول أرضه إلى مناطق خارجة عن سلطة الدولة.
لقد آن الأوان لأن ننظر إلى الذهب باعتباره وسيلة لبناء الشمالية لا سبباً لتفكيكها.
فالذهب ثروة ناضبة، أما الإنسان والثقافة والأرض والتاريخ فهي ثروات لا تعوض.
وإذا كان المطلوب أن نستخرج ذهب الشمالية، فيجب ألا يكون الثمن تفكك مجتمعها، أو تلوث بيئتها، أو تهديد آثارها، أو إضعاف نسيجها الاجتماعي.
نريد شمالية منفتحة على كل السودانيين، ولكنها ليست مفتوحة للفوضى؛ غنية بالذهب، ولكن أغنى بالإنسان؛ متطورة اقتصادياً، ولكن محافظة على هويتها وإرثها الحضاري.
وهذه ليست مسؤولية أهل الشمالية وحدهم، وإنما مسؤولية الدولة والمجتمع والمستثمرين والمعدنين معاً.
فالشمالية ليست مجرد منطقة تعدين... إنها جزء من ذاكرة السودان، وحماية مجتمعها حماية لجزء أصيل من مستقبل الوطن.

 📌لمتابعة جميع المقالات و الاخبار و الوظائف و الدورات التدريبية القانونية عبر قروبات "وعي قانوني" انضم لاحد القروبات

 بالضغط هنا ⚖️ أو للمتابعة عبر تطبيق "خدمات قانونية" قم بتحميله بالضغط هنا

♻️ شارك المنشور تكرما ♻️
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -