عدالة قانون بيع الأموال المرهونة 1990 جدلية عدالة التشريع والتطبيق الدستوري والقضائي للقانون (3)
فريق شرطة(حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي إستشاري القانون والموثق
(Eltayeb2hussein@gmail.com - Eltayeb.hussein@yahoo.com)
----------------------
المقالات (1، 2) تمثل محاولة نقدية مركّبة لتفكيك البنية التشريعية لقانون بيع الأموال المرهونة لسنة 1990م في السودان، وذلك عبر تحليل العلاقة الارتدادية المتوترة بين الشكلية القانونية والعدالة الموضوعية في سياق تفاعلها مع الأحكام الدستورية والقضائية الانتهائية، لا سيما الأحكام الصادرة عن المحكمة العليا (دوائر النقض والمراجعة والفحص). وهي العلاقة الإرتدادية المتوترة التي كرّستها المحكمة الدستورية في حكمها القاضي بدستورية القانون، من دون أن تظل حبيسة الإطار النظري، بل تجسدت بوضوح في الممارسة القضائية؛ إذ انتهت المحكمة الدستورية إلى إقرار دستورية القانون من زاوية شكلية صرفة بحته، من دون إعمال نظر حقيقي في مدى اتساقه مع قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م، وقانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م (تعديل 2019م)، وقانون التحكيم لسنة 2017م وقانون الشركات 1925م الملغي بقانون 2018م فيما يتعلق بطبيعة القرارات التي تصدر عن شركات القطاع العام بوصفها قرارات ادارية.
وقد أفضى هذا المنهج التشريعي، المدعوم بالحكم الدستوري، إلى تجاوز المعايير الإسلامية والدولية المتعلقة بحماية المدين وتحقيق التوازن العقدي، بما يعكس انحيازًا لنموذج القاضي السياسي، وهو القاضي الذي يُعيد تأويل النصوص ويُكيّفها في ضوء اعتبارات الاستقرار المؤسسي ومتطلبات النظام المالي، فيغلب منطق الحفاظ على البنية الاقتصادية والوظيفية للدولة على منطق حماية الحقوق الفردية، ويمنح أولوية ضمنية للاعتبارات السيادية أو المالية حتى وإن أدى ذلك إلى تضييق نطاق الضمانات القضائية.
ومع ذلك، يتراجع دور القاضي الحارس، الذي يُفترض فيه أن يكون حارسًا للشرعية الدستورية والحقوق الأساسية، متمسكًا بعلوية القانون وخضوع جميع السلطات له، بحيث يضع حماية الحق – لا سيما حق الملكية وضمانات التقاضي – في صدارة اعتباره، ويرفض أي تأويل أو تطبيق من شأنه الانتقاص من جوهر هذه الحقوق تحت أي مبرر وظيفي أو مؤسسي. ورغم صلابته في حماية النصوص التشريعية، يظل هذا النموذج أسيرًا للشكلية الدستورية، مما يقيد قدرته على التفاعل مع المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية المحيطة.
وعلى الطرف المقابل، يبرز خطر الانزلاق نحو براغماتية مؤسسية مفرطة، حيث تُقدَّم متطلبات النظام المالي أو مقتضيات الإدارة على حساب الضمانات الأساسية، بما قد يؤدي إلى إضعاف جوهر العدالة نفسها وتحويلها إلى أداة وظيفية لدعم الاستقرار المؤسسي، وهو ما يذكّر بسلوك القاضي السياسي، وفي الوقت ذاته يبرز الحاجة إلى نموذج وسط قادر على التوازن.
وبين هذين النموذجين المتباعدين، يظهر القاضي الهجين بوصفه صيغة توازنية مركّبة، لا يقف عند حدود الشكلية القانونية ولا يذوب في براغماتية مؤسسية، بل يسعى إلى المزاوجة بين نصوص التشريع ومقاصدها، وبين القواعد القانونية والواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي تُطبق فيه. فهو يُخضع الاعتبارات المؤسسية لرقابة معيارية تستند إلى مبادئ العدالة، ويُفعّل أدوات التفسير المرن لتحقيق التوازن بين استقرار المعاملات وحماية الحقوق. ومن ثم، فإن القاضي الهجين لا يُلغي دور الدولة ولا يتجاهل متطلبات النظام المالي، لكنه يرفض أن تتحول هذه المتطلبات إلى مبرر لإهدار الضمانات الأساسية.
وعليه، فإن النموذج الهجين هو الأكثر ملاءمة لتحقيق العدالة، لأنه يوفّق بين حماية الحقوق الدستورية وضمانات التقاضي من جهة، وبين متطلبات النظام القانوني والاقتصادي من جهة أخرى، دون أن يضحّي بجوهر العدالة أو ينحاز إلى شكلية جامدة أو براغماتية مؤسسيه وظيفية مفرطة.
ومن منظور نظرية العدالة المركبة - انموذج صاغة كاتب المقاله في كتاب له قيد الطباعة - فإن تحقيق العدالة لا يتأتى عبر تغليب أحد هذه النماذج بصورة مطلقة، بل عبر بناء تفاعل متوازن بينها، بحيث تتكامل العدالة الإجرائية (سلامة الإجراءات وضماناتها) مع العدالة الموضوعية (حماية الحقوق ومضمونها)، ضمن إطار مؤسسي مستقر. إلا أن الانحياز إلى نموذج (القاضي السياسي) - كما تكشفه الحالة محل التحليل - يؤدي إلى اختلال هذا التوازن، حيث تُختزل العدالة في بُعدها الإجرائي الشكلي وتُفرغ من مضمونها القيمي.
وفي هذا السياق، تتجلى أيضًا ديناميات (التوتر والارتداد المؤسسي والوظيفي) - انموذج صاغة كاتب المقاله في كتاب له قيد الطباعة - إذ ينشأ التوتر من تعارض وظائف القضاء بين حماية الحقوق من جهة، ودعم استقرار النظام المالي من جهة أخرى، في ظل نصوص قانونية استثنائية. وعندما يُدار هذا التوتر بترجيح كفة الاعتبارات المؤسسية، يحدث (ارتداد وظيفي) يتمثل في انتقال القضاء من موقع الضامن للحقوق إلى موقع الميسّر لإجراءات قد تمس تلك الحقوق. أما نموذج القاضي الهجين، فيمثل محاولة لتجاوز هذا الارتداد، عبر إعادة توجيه الوظيفة القضائية نحو تحقيق توازن حقيقي، يُبقي على فاعلية النظام المالي دون التفريط في الضمانات الجوهرية للعدالة.
وعليه، فإن غياب هذا النموذج التوازني، وهيمنة نمط القاضي السياسي، لا يؤدي فقط إلى إضعاف حماية الحقوق، بل يعمّق التوتر داخل البنية المؤسسية، ويقوّض إمكانية تحقيق عدالة مركبة متكاملة، الأمر الذي يقتضي إعادة النظر في كل من المنهج التشريعي والاتجاه القضائي، بما يعيد الاعتبار لدور القضاء بوصفه حارسًا للحقوق، لا مجرد فاعل ضمن معادلة الاستقرار المؤسسي.
ويزداد هذا الانحراف وضوحًا عند تحليل نصوص المواد (5، 6) من قانون بيع الأموال المرهونة لسنة 1990م، والتي منحت المصرف - ممثلاً في مديره - سلطة الأمر ببيع المال المرهون مباشرة، دون اشتراط رقابة أو إشراف قضائي مسبق، وهو ما ينطوي على نقلٍ لسلطة تمس جوهر الحق في الملكية من القضاء إلى جهة دائنة / المصرف، تضحى بموجبه في موقع الخصم والحكم في آنٍ واحد. ولا تقف خطورة هذا التنظيم عند حد الإجراء، بل تمتد إلى إعادة تشكيل مركز الملكية ذاته، إذ يفضي عمليًا إلى نزع الملكية أو التصرف الجبري فيها خارج الضمانات القضائية الواجبة، بما يقارب في آثاره نزعًا للملكية دون رقابة قضائية فعالة، ودون ضمانات كافية للتحقق من مشروعية الدين، أو تناسب الإجراء، أو سلامة تقدير قيمة المال المرهون.
ومن منظور المعايير القيمية الفوقية الدستورية والقانونية، فإن قانون بيع الأموال المرهونه يصطدم بجملة من المبادئ المعيارية الحاكمة، في مقدمتها مبدأ حماية الملكية بوصفه حقًا أساسيًا لا يجوز المساس به إلا وفق إجراءات قضائية تكفل العدالة، ومبدأ حق التقاضي الذي يقتضي تمكين المدين / المتعامل مع المصرف من عرض نزاعه على قاضيه الطبيعي قبل المساس بحقه في ملكية المال المرهون، فضلًا عن مبدأ التوازن العقدي الذي يمنع استغلال المركز الاقتصادي الأقوى للدائن / المصرف، خاصة إذا كان مصرفًا أو جهة تمويلية، على حساب المدين / المتعامل مع المصرف.
كما يتعارض مع مبدأ خضوع التنفيذ الجبري للرقابة القضائية، وذلك لأن التنفيذ الجبري لا يُعد مجرد إجراء فني أو شكلي، بل يمثل ممارسة لسلطة عامة تمس الحقوق والحريات الأساسية للأفراد. وهذه السلطة تختلف باختلاف الجهة المنفذة:
(1) المحكمة: عندما تكون المحكمة هي الجهة المنفذة، فإن السلطة العامة تمثل قدرة الدولة على ضبط النفوذ الاقتصادي وفرض الالتزامات القانونية بطريقة خاضعة للمراجعة القضائية والرقابة المؤسسية، بما يضمن حماية الحقوق وحق الدفاع، فلا يحق لأي طرف - حتى المصرف - تجاوز هذه الرقابة.
(2) المصرف أو الجهة التمويلية: في حالة إسناد إجراءات التنفيذ مباشرة إلى المصرف، سواء كان مصرفًا عامًا أو شركة قطاع عام، فإن المصرف يؤدي دورًا وظيفيًا يماثل السلطة العامة، لأنه يمارس حقًا مؤسسيًا لتنفيذ القانون، وبالتالي يجب أن يخضع لمعايير العدالة، وضمانات الرقابة القضائية، وإلا صار التنفيذ بمثابة سلطة فردية أو اقتصادية خارج الرقابة القضائية. أما المصارف التجارية الخاصة، فإن سلطتها تقتصر على ممارسة الحقوق العقدية بين طرفي العلاقة، لكنها لا تمتلك صفة سلطة عامة، إلا إذا كفل القانون لها حقًا استثنائيًا في تنفيذ الرهن بدون إشراف قضائي، وهو ما يثير إشكالية واضحة في حماية الحقوق.
وبالتالي، فإن أي تنظيم يسمح للمصارف بتنفيذ البيع أو التحكيم دون إشراف قضائي، خاصة بموجب المواد 5، 6، 8، 9، 10 من قانون بيع الأموال المرهونة، يشكل تحويلًا للسلطة العامة من إطار الدولة القضائي إلى أطراف اقتصادية، وهو ما يؤدي إلى مساس مباشر بحق الملكية وضمانات التقاضي وخلخلة التوازن العقدي، خصوصًا إذا لم تُطبق ضوابط واضحة تحمي حقوق المدين وتضمن الرقابة القضائية الفعلية.
وقد انعكس هذا التوجه في التطبيق القضائي من خلال تغليب آليات الإنذار والتحكيم، وفقًا لنصوص المواد (5، 8، 9) من القانون، لمصلحة المصارف والجهات التمويلية، بما في ذلك الصناديق المنشأة بقوانين خاصة، كصندوق الضمان الاجتماعي والمعاشات وصندوق دعم الطلاب، استنادًا إلى التعريف الواسع للمصرف، الذي يشمل أي مؤسسة تمويل حكومية لديها أموال مرهونة. وقد أدى ذلك عمليًا إلى إضعاف حماية حق الملكية وتقليص نطاق الرقابة القضائية على إجراءات بيع الأموال المرهونة، رغم أن هذا القانون ذو طبيعة إجرائية، ومن المستقر فقهاً أن القواعد الإجرائية لا تستقل بذاتها، ولا يجوز أن تعلو على القواعد الموضوعية، بل تظل خادمة لها ومقيدة بأهدافها.
ومن ثمّ، نشأت ازدواجية معيارية بين قانون بيع الأموال المرهونة من جهة، وقانون المعاملات المدنية بوصفه قانونًا موضوعيًا يؤسس لحماية الحق في الملكية من جهة أخرى، فضلًا عن تعارضه مع قوانين إجرائية أصيلة، كقانون الإجراءات المدنية وقانون التحكيم، التي وضعت لضمان حماية الحقوق عبر إجراءات منضبطة وملزمة. وهو ما يكشف عن خلل في ترتيب القيم القانونية داخل المنظومة التشريعية، حيث تم تقديم آلية إجرائية استثنائية على حساب قواعد موضوعية آمرة، بما يؤدي إلى إفراغ الحق الموضوعي من مضمونه العملي. ويزداد هذا الخلل وضوحًا عند النظر إلى الممارسة القضائية، التي شهدت تجاهلًا متكررًا لبعض أوامر المحكمة الدستورية، وخصوصًا تلك المتعلقة بوقف التنفيذ في ظل وجود طعون دستورية مرفوعة أمام المحكمة الدستورية. ويرتبط ذلك بإشكالات بنيوية أعمق في تكوين السلطة القضائية، تشمل تعيين القضاة بعقود إدارية خاصة، ومنح درجات قضائية دون اتباع مسار الترقية النظامي، وتشكيل دوائر قضائية دون استيفاء شروط الولاية الدستورية. وقد أفضى هذا التجاوز البنيوي في مجمله إلى إضعاف الثقة في النظام العدلي، خصوصًا عندما تصبح مثل هذه القضايا موضوع طعون دستورية تمس كلًا من قانون السلطة القضائية لسنة 1989م (مع تعديلاته 2005م) وقانون بيع الأموال المرهونة لسنة 1990م.
وإذا كان هذا الواقع التشريعي والقضائي يعكس إشكالًا في التطبيق، فإن جذوره تمتد إلى طبيعة المشروعية التي يستند إليها قانون بيع الأموال المرهونه ذاته، والتي تبدو متعددة المستويات ومحل تساؤل نقدي. فمن حيث المشروعية الشكلية، ورغم إقرار المحكمة الدستورية بدستوريته، فإن صدوره في سياق استثنائي عن سلطة أمر واقع وبمرسوم مؤقت يثير شكوكًا جدية حول اكتمال شرعيته الدستورية، خاصة من زاوية التعبير عن الإرادة الشعبية ومتطلبات الدولة القانونية.
إلا أن هذا البُعد الشكلي لا ينفصل عن الإطار الموضوعي القائم، إذ إن قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م، لا سيما المواد (727–798)، وبوجه خاص أحكام الرهن الحيازي (766–781) والرهن العقاري ورهن الأموال المنقولة (782–788)، قد أرسى نظامًا متكاملًا يقوم على خضوع التنفيذ لرقابة قانونية وقضائية تكفل التوازن بين الدائن والمدين. كما أن قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م وتعديلاته لسنة 2019م، خاصة المواد (121–132)، قد كرس اختصاص القضاء بنظر منازعات الرهن وفك الرهن، بما يؤكد مبدأ القاضي الطبيعي واحتكار القضاء لسلطة الفصل في منازعات التنفيذ.
وفي هذا السياق، تتعزز وجاهة الدفع بعدم الدستورية في ضوء ما انتهت إليه المحكمة الدستورية في الدعوى رقم (م د/ق د/16 /2001) - أحمد عبد الجليل أبو زيد وشركة مرحب لصناعة الصابون والكيماويات ضد حكومة السودان وبنك فيصل (فرع بحري) - حيث قضت بعدم دستورية نص المادة 10(2) من قانون بيع الأموال المرهونة، التي كانت تنص على نهائية قرار هيئة التحكيم وعدم قابليته للطعن أمام المحاكم. وقد تأسس هذا القضاء على تعارض النص مع الضمانات الدستورية لحق التقاضي، ومع قانون التحكيم ذاته بوصفه قانونًا إجرائيًا لا يجوز أن يفضي إلى تحصين القرارات من الرقابة القضائية.
ومن منظور فقهي قانوني، فإن هذا الحكم لا يقتصر أثره على إسقاط نص جزئي، بل يكشف عن خلل بنيوي في القانون ككل، ذلك أن القاعدة المستقرة تقضي بأن القواعد الإجرائية، مهما بلغت درجتها، لا يجوز أن تنشئ أو تعدل أو تنتقص من الحقوق الموضوعية التي قررها القانون الموضوعي، ولا أن تقيد وسائل حمايتها على نحو يؤدي إلى إهدارها. فالأصل أن (الإجراء يتبع الحق)، وأن (القانون الموضوعي يعلو باعتباره منشئًا للحق ومحددًا لمضمونه، بينما يقتصر دور القانون الإجرائي على تنظيم وسائل اقتضائه). كما أن أي تنظيم إجرائي يفضي في أثره إلى نزع الملكية أو الانتقاص الجوهري منها دون رقابة قضائية فعالة، يُعد مخالفًا لمقتضيات الحماية الدستورية للملكية، حتى ولو ورد في صورة إجراء شكلي.
وعليه، فإن ما كشف عنه الحكم الدستوري في الدعوى رقم (م د/ق د/16 /2001) المشار إليه، مقرونًا ببنية المواد (5، 6، 8، 9، 10) من القانون وتطبيقاته القضائية، يؤكد أن الإشكال لا يقتصر على نصوص متفرقة، بل يمتد إلى البنية الكلية للقانون، التي تقوم على تركيز الأولوية على الكفاءة الإجرائية والاعتبارات التمويلية. أي أن القانون في ممارسته يركز على سرعة ومرونة تنفيذ إجراءات بيع الأموال المرهونة (الكفاءة الإجرائية)، وعلى تحقيق مصالح المصارف والجهات التمويلية، وضمان تحصيل الأموال والحقوق المالية بسرعة وفعالية (الاعتبارات التمويلية)، على حساب الضمانات الموضوعية للحقوق الأساسية للأطراف، لا سيما حق الملكية وحق التقاضي وضمانات التوازن العقدي.
ومن هذا المنطلق، يطرح قانون بيع الأموال المرهونة التساؤل حول التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة القانونية، حيث:
(1) الكفاءة الاقتصادية تتعلق بمدى قدرة القانون على دعم استقرار النظام المالي والائتماني، وتحفيز النشاط الاقتصادي، وحماية مصالح المصارف وشركات القطاع العام وشركات القطاع الخاص، بما يضمن استمرارية النشاط الاقتصادي وتدفق الموارد المالية.
(2) العدالة القانونية تشير إلى حماية الحقوق الفردية، بما في ذلك حقوق الملكية، وضمانات التقاضي، والتوازن العقدي بين الدائن والمدين، وعدم التعسف في ممارسة السلطة الاقتصادية، بحيث يكون القانون إطارًا يحمي الجميع وفق مبادئ القانون الموضوعي والقيم الفوقية.
وبالتالي، فإن الخلل يكمن في تضارب الأولويات، حيث يُعطى القانون أولوية لـ السرعة والفعالية المالية والتنفيذية على حساب الضمانات القانونية والعدالة الموضوعية، مما يعيد طرح التساؤل الجوهري حول مدى دستورية قانون بيع الأموال المرهونه في مجموعه، وحاجة إعادة بنائه تشريعيًا على أسس تحقق التوازن بين حماية الحقوق الأساسية وضمان الكفاءة الاقتصادية، ضمن إطار يحترم تدرج القواعد القانونية ويكفل خضوع كل إجراء يمس الملكية لرقابة قضائية فعالة.
ومن هذا المنطلق، يبرز الجدل حول مشروعية قانون بيع الأموال المرهونة لسنة 1990م بوصفه قانونًا خاصًا أحدث قطيعة جزئية ذات طابع توتري–ارتدادي مع منظومة القانون المدني، بشقيها الموضوعي والإجرائي، ولا سيما من خلال تبنيه إحالة النزاع إلى التحكيم بموجب المادة (8 /1) مقروءة مع المواد (5، 9، 10). وقد أثار هذا التنظيم خلافًا فقهيًا وقضائيًا حول مدى إلزامية هذا المسار وحدوده، بالنظر إلى ما ينطوي عليه من تجاوز لنصوص تشريعية آمرة في قانون المعاملات المدنية تحمي حق الملكية وتخضع التنفيذ لرقابة قضائية. ويجد هذا الجدل صداه في اجتهادات المحكمة العليا التي تناولت المسألة من زوايا متعددة، إذ أشارت في حيثيات حكمها بالنمرة: م ع/ط إ س/24 /2006م) في الطعن الإداري ضد البنك الإسلامي السوداني وبنك السودان – البنك المركزي، إلى وجود تعارض محتمل بين قانون بيع الأموال المرهونة لسنة 1990م وقانون الشركات لسنة 1925م، بما يثير تساؤلات حول الدستورية. إلا أن المحكمة العليا قررت في الوقت ذاته عدم اختصاصها بإعلان عدم الدستورية، مقررة أن دورها يقتصر على الرقابة القانونية على الإجراءات دون امتداد للرقابة الدستورية، وهو ما يعني أن المحكمة لم تتجاوز حدود اختصاصها في تقييم مدى قانونية إجراءات التحكيم، لكنها لم تتمكن من إلغاء نصوص القانون أو إعلان عدم دستوريتها.
وأكدت المحكمة العليا أن الإجراءات التي يقوم بها المصرف بموجب قانون بيع الأموال المرهونة لا تنطبق على تعريف القرار الإداري، وأن نصوص القانون لا تمنح محافظ بنك السودان – البنك المركزي – سلطة للتدخل في الفصل في النزاع بين المصرف والعميل أو وقف الإجراءات التنفيذية، وحصر القانون نطاق التدخل الإداري للمحافظ في مسألة تعيين المحكمين عند تعذر تعيينهم من قبل الأطراف، حيث يجوز الطعن على هذا التعيين الإداري فقط.
ومن هذا المنطلق، يُستشف أن التحكيم وفق قانون بيع الأموال المرهونة لا يُلزم المدين أو يحجب حقه في اللجوء إلى قاضيه الطبيعي، إذ تبقى آليات التحكيم ضمن نطاق الأدوات الإجرائية المساندة للمصارف، ولا تُسقط الضمانات الأساسية للمدين في التقاضي أو حقه في حماية الملكية. وهذا يرسخ فكرة أن القاضي الطبيعي يظل الجهة المرجعية الأساسية لضمان الحقوق، خصوصًا عند الطعن في إجراءات التحكيم أو التعديلات التعاقدية التي قد تؤثر على التوازن العقدي بين المدين والمصرف.
وفي اتجاه آخر، عبّرت المحكمة العليا عن هذا التباين بقولها إن ما يثار بشأن إجراءات التحكيم وبيع الأموال المرهونة لا يجاوز كونه خلافًا قانونيًا وفقهيًا حول تفسير مقصد المشرّع، وأن هذا التفسير قد يفضي إلى تباين في السوابق القضائية، بما يتيح لكل محكمة أن تأخذ بما تراه أوفق لوقائع النزاع المعروض أمامها. وانتهت إلى أنه لا يمكن، استنادًا إلى هذا الخلاف التفسيري، وسم الحكم الصادر في مرحلة النقض بمخالفة أحكام الشريعة الإسلامية على نحو يبرر تدخل دائرة المراجعة.
بيد أن هذا التوجه القضائي لا يخلو من نقد جوهري، إذ يذهب اتجاه فقهي مغاير إلى أن الخلاف حول تفسير مقصد المشرّع لا ينحصر في نطاق اجتهاد تأويلي معزول، بل يمس بنية القانون ذاتها، وأن الانحراف في تفسير النص التشريعي للقانون أو تطبيقه - إذا أفضى إلى إهدار حق الملكية أو تقويض ضمانات التقاضي - يُعد مخالفةً لمقتضيات الشريعة الإسلامية بوصفها مصدرًا للتشريع في السودان. كما أن هذا الجدل لا ينفصل عن الواقع العملي للعلاقة بين الراهن (كالشركات) والمرتهن له (المصرف)، حيث تتكرر حالات إعادة جدولة المديونية وإبرام اتفاقيات لاحقة، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول مشروعية الاستمرار في إجراءات بيع المال المرهون دون الاعتداد بهذه الاتفاقيات، ومدى توافق ذلك مع مبدأ حسن النية ومقتضيات العدالة العقدية.
وفي ضوء ذلك، يتعمق الإشكال على مستوى المشروعية الموضوعية، حيث يكشف التحليل – تحليل المقالات لقانون بيع الأموال المرهونة - عن اختلال بيّن في التوازن بين الدائن والمدين، من خلال المساس بمبادئ جوهرية، من قبيل عدم رجعية القوانين، والتناسب في الجزاء، وضمانات المحاكمة العادلة، ومنع التعسف في استعمال الحق، فضلًا عن إغفال مقاصد الشريعة الإسلامية والمعايير الدولية ذات الصلة بحماية الحقوق المالية والإجرائية. كما يتعقد هذا الخلل عند مستوى المشروعية المؤسسية، إذ أسهم التطبيق القضائي ذاته - في بعض صوره - في إضعاف فاعلية الرقابة القضائية، بما يعكس حالة من التوتر المؤسسي بين القضاء العادي والقضاء الدستوري، وبين الوظيفة القضائية ومتطلبات الاستقرار المالي، وهو ما أفرز نمطًا من (الارتداد الوظيفي) حيث تتراجع وظيفة الحماية القضائية للحقوق لصالح اعتبارات الكفاءة الإجرائية والتمويلية.
ومن منظور نظريتي العدالة المركبة والتوتر والارتداد المؤسسي ـ نظريات صاغها كاتب المقالة في كتاب قيد الطباعة - يمكن فهم هذا الجدل بوصفه تعبيرًا عن اختلال في التوازن بين مكونات العدالة: فبينما تقتضي العدالة المركبة التكامل بين العدالة الإجرائية (سلامة الوسائل) والعدالة الموضوعية (حماية الحقوق)، فإن قانون بيع الأموال المرهونة - في بنيته وتطبيقه - يميل إلى تغليب الأولى في صورتها الشكلية المختزلة، على حساب الثانية. كما أن التوتر المؤسسي بين الفاعلين (المشرّع، القضاء، المصارف) قد أفضى إلى ارتداد في وظيفة القضاء، من كونه حارسًا للحقوق إلى فاعل سياسي يتكيّف مع ضرورات النظام المالي، بما يخلّ بوظيفته الدستورية الأصلية.
وفي مقابل هذا الانحراف في المشروعية، يقتضي التحليل استحضار الغاية الاجتماعية التي من أجلها شُرعت قوانين بيع الأموال المرهونة، إذ لا يُفترض فيها أن تكون أداة لترجيح كفة الدائن، بل إطارًا لتحقيق توازن دقيق بين استقرار المعاملات المالية وحماية الأطراف. فهذه القوانين تهدف، في جوهرها، إلى ضمان استيفاء الحقوق بما يعزز الثقة في النظام الائتماني، وفي الوقت ذاته حماية المدين من التعسف، عبر إخضاع إجراءات التنفيذ لرقابة قانونية وقضائية فعالة تكفل الشفافية والتناسب وحق الدفاع. كما تمتد هذه الغاية إلى حماية الاستقرار الاقتصادي العام، خاصة في السياقات الهشة المضطربة، حيث تصبح استمرارية الشركات والنشاط الاقتصادي مسألة حيوية، بما يفرض على المشرّع عدم تحويل وسائل التنفيذ إلى أدوات لتصفية النشاط بدل تنظيمه.
وعلى هذا الأساس، يتضح أن قانون بيع الأموال المرهونة لسنة 1990م - كما يكشفه التحليل المقالي – المقالات - قد انحرف عن هذه الغاية، إذ تحوّل من أداة لتحقيق التوازن إلى وسيلة لترجيح كفة المصارف، ومن إطار لحماية الائتمان إلى آلية قد تسهم في زعزعة الاستقرار الاقتصادي وتقويض الثقة في العدالة. ومن ثم، فإن الإشكال لا يكمن في مبدأ تنظيم بيع الأموال المرهونة في ذاته، وإنما في كيفية صياغته وتطبيقه، وفي مدى اتساقه مع المنظومة التشريعية العامة وأحكام القضاء المستقرة. الأمر الذي يجعل من الإصلاح التشريعي والقضائي ضرورة ملحّة لإعادة الاعتبار للعدالة الموضوعية، وتحقيق التوازن بين الشكل القانوني وجوهر الإنصاف، في إطار يرسخ سيادة القانون ويعيد الثقة في النظام العدلي. ،،،، ونواصل،،، وللحديث بقية.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون والموثق
27 مارس 2026م
📌لمتابعة جميع المقالات و الاخبار و الوظائف و الدورات التدريبية القانونية عبر قروبات "وعي قانوني" انضم لاحد القروبات