عدالة قانون بيع الأموال المرهونة 1990م جدلية عدالة التشريع والتطبيق الدستوري والقضائي في ضوء نظرية العدالة المركبة وإدارة المخاطر (7)

موجز الاخبار

عدالة قانون بيع الأموال المرهونة 1990م جدلية عدالة التشريع والتطبيق الدستوري والقضائي في ضوء نظرية العدالة المركبة وإدارة المخاطر (7)

 

عدالة قانون بيع الأموال المرهونة 1990 جدلية عدالة التشريع والتطبيق الدستوري والقضائي للقانون (7)

فريق شرطة(حقوقي)

د. الطيب عبدالجليل حسين محمود

المحامي إستشاري القانون والموثق

(Eltayeb2hussein@gmail.com -  Eltayeb.hussein@yahoo.com)
----------------------
جدلية عدالة التشريع والتطبيق الدستوري والقضائي 
في ضوء نظرية العدالة المركبة وإدارة المخاطر (7)
----------------------------------------------------------------
يُظهر قانون بيع الأموال المرهونة لسنة 1990م في السودان قصورًا بنيويًا في بنيته التشريعية، إذ لا يقتصر الإشكال الذي يثيره على كونه إطارًا إجرائيًا لتنظيم التنفيذ الجبري لاستيفاء الديون، بل يمتد ليكشف عن خللٍ عميق في الفلسفة التي تحكم العلاقة بين العدالة الإجرائية والعدالة الموضوعية. فالقانون، في بنيته وتطبيقه، يميل إلى تغليب الشكلية الإجرائية والامتثال الحرفي للنصوص التشريعية للقانون على حساب تحقيق الإنصاف الفعلي، الأمر الذي يؤدي إلى اختلال التوازن التعاقدي بين الدائن (المصرف) والمدين (المتعامل مع المصرف)، ويُضعف ضمانات الحق في التقاضي بوصفه أحد مرتكزات العدالة الدستورية. وبهذا المعنى، يتحول الإجراء من وسيلة لحماية الحق إلى أداة قد تُفضي إلى الإضرار به، لا سيما في ظل منح المصارف سلطات واسعة في التنفيذ دون رقابة قضائية فعّالة، مع غياب آليات مرنة مثل وقف التنفيذ، أو إعادة الهيكلة، أو التسويات الجماعية، وهو ما يجعل البيع القسري أداة قد تُنتج آثارًا عكسية على المستويين الفردي والمؤسسي.
إلا أن فهم هذا الخلل لا يكتمل في إطار الثنائية التقليدية بين العدالة الإجرائية والعدالة الموضوعية، بل يقتضي استحضار إطار نظري أوسع يتمثل في نظرية العدالة القضائية المركبة في إدارة المخاطر، التي تُعيد تعريف وظيفة القضاء من مجرد جهاز للفصل في النزاعات إلى فاعل مركزي في إدارة التوازنات الاقتصادية والاجتماعية. فوفقًا لهذه النظرية، تقوم العدالة على تفاعل ثلاثي متكامل بين الكفاءة الإجرائية، والعدالة الإجرائية، والعدالة الموضوعية؛ حيث تعكس الكفاءة الإجرائية قدرة النظام القانوني على إنجاز الإجراءات بسرعة وبتكلفة معقولة، بينما تضمن العدالة الإجرائية توفير ضمانات المحاكمة العادلة من حق الدفاع والمساواة وحياد القضاء، في حين تمثل العدالة الموضوعية الغاية النهائية التي يُقاس بها تحقق الإنصاف في مآل الحق ونتيجته.
ومن هذا المنظور، لا تُعد الكفاءة الإجرائية غاية مستقلة، بل أداة وظيفية، كما لا تُعد الإجراءات عادلة لمجرد صحتها الشكلية، وإنما تتحقق العدالة حين تُفضي هذه الإجراءات إلى نتائج منصفة تُوازن بين الأطراف وتحد من المخاطر. ومن ثم، فإن العدالة الموضوعية تمثل محصلة تكامل الكفاءة الإجرائية والعدالة الإجرائية؛ إذ يؤدي غياب الكفاءة إلى تعطّل المصالح وإهدار الموارد، بينما يؤدي غياب العدالة الإجرائية إلى تحويل الإجراءات إلى شكلية فارغة تُعيد إنتاج عدم المساواة.
وانطلاقًا من هذا التأصيل، تُعيد نظرية العدالة المركبة صياغة دور القضاء بوصفه أداة لإدارة المخاطر، لا مجرد آلية لاحقة لتطبيق النصوص. فالقضاء، في هذا الإطار، يسهم في مواجهة نوعين متكاملين من المخاطر: مخاطر جزئية (Micro Risks) تتعلق بتعثر الشركات، وفقدان الأصول، واختلال العلاقات التعاقدية، ومخاطر كلية (Macro Risks) ترتبط بعدم الاستقرار المالي، وانتقال الأزمات بين القطاعات، وتراجع الثقة في البيئة القانونية. ومن ثم، يصبح من وظائف القضاء الأساسية الحد من هذه المخاطر عبر أدوات استباقية، مثل وقف التنفيذ الفردي المتعجل، وتشجيع إعادة الهيكلة، واعتماد التسويات الجماعية، وتحقيق التوازن بين حماية الحقوق الفردية وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي.
وفي هذا السياق، يتكامل هذا الطرح مع نظرية إدارة المخاطر في العدالة القضائية، التي تنقل القانون من منطق المعالجة اللاحقة للأزمات إلى منطق الوقاية والاستباق، حيث لا يُنظر إلى التعثر المالي بوصفه مجرد إخلال فردي بالالتزامات التعاقدية – كالتأخر في سداد الدين أو العجز عن الوفاء بشروط العقد نتيجة تقصير شخصي – بل يُفهم باعتباره ظاهرة مركبة قد تنشأ عن اختلالات اقتصادية أوسع، مثل تقلبات السياسات النقدية، وارتفاع تكاليف التمويل، واضطرابات السوق، أو تدهور البيئة الاستثمارية. وهو ما يستدعي تدخلًا قانونيًا مرنًا لا يقتصر على الجزاء، بل يهدف إلى الحفاظ على القيمة الاقتصادية للأصول، ومنع تفاقم الأزمات، وإعادة التوازن للعلاقة التعاقدية.
كما تتعزز هذه القراءة من خلال نظرية التوتر والارتداد المؤسسي والوظيفي، التي تُبرز أن التطبيق الجامد للقانون يُنتج توترًا دائمًا بين أطراف العلاقة التعاقدية، ويُفضي إلى ارتداد وظيفي يُضعف الثقة في النظام القضائي ويُقوّض فعاليته، بما يحوّل القانون من أداة لتحقيق الاستقرار إلى مصدر لإنتاج عدم اليقين.
وعند إسقاط هذا الإطار النظري المركب على قانون بيع الأموال المرهونة لسنة 1990م، يتبين أن القانون يُغلب الكفاءة الإجرائية بشكل مفرط من خلال تسريع إجراءات التنفيذ وتقليل تدخل القضاء وتمكين المصارف، في مقابل إضعاف واضح للعدالة الإجرائية نتيجة محدودية الرقابة القضائية وتقييد فرص الطعن وحق الدفاع. وينعكس هذا الاختلال في إهدار العدالة الموضوعية، حيث قد يؤدي التنفيذ السريع إلى بيع الأصول بأقل من قيمتها أو دون مراعاة ظروف المدين الاقتصادية، بما يُكرّس عدم التوازن التعاقدي ويُفضي إلى آثار اقتصادية سلبية تتجاوز أطراف العلاقة المباشرة. وبذلك، لا يؤدي القانون وظيفة إدارة المخاطر، بل يتحول إلى أداة لإعادة إنتاجها وتعميق آثارها.
وإذا ما انتقلنا إلى التحليل المقارن، يتضح أن النظم القانونية المختلفة تتباين في كيفية إدارة هذا التوازن. فالنظم الأنجلوسكسونية تميل إلى تغليب الكفاءة الإجرائية، كما يظهر في إجازة التنفيذ غير القضائي، مع افتراض قدرة السوق على تصحيح الاختلالات، وهو افتراض لا يتحقق دائمًا في الواقع العملي. وعلى النقيض، تُغلب النظم الأوروبية-القارية العدالة الموضوعية من خلال إخضاع التنفيذ لرقابة قضائية صارمة، بما يضمن حماية المدين، وإن كان ذلك على حساب السرعة. أما النظم الاسكندنافية، فتقدم نموذجًا توازنيًا متقدمًا يجمع بين الكفاءة والعدالة عبر تنظيم مؤسسي وهيئات تنفيذ مركزية تُحقق السرعة مع الحفاظ على الضمانات، بما يجعلها أقرب إلى نموذج فعّال لإدارة المخاطر.
وفي السياق الإسلامي، يتجسد تصور مختلف يقوم على تأطير الحرية التعاقدية ضمن منظومة مقاصدية تُوازن بين حق الدائن في الاستيثاق وحق المدين في الحماية من التعسف، مع إقرار مبدأ الإمهال عند الإعسار ومنع الإضرار، بما يجعل العدالة الموضوعية أصلًا حاكمًا في تنظيم المعاملات. أما في النظم المختلطة، مثل ماليزيا وتركيا، فيبرز نموذج وسطي يجمع بين الكفاءة الإجرائية والرقابة القضائية والاعتبارات الاجتماعية، بما يعكس قدرة هذه النظم على دمج منطق السوق مع متطلبات العدالة.
وفي ضوء هذه المقارنة، يتبين أن قانون 1990م قد اقترب من النموذج الأنجلوسكسوني في تغليب الكفاءة الإجرائية، لكنه افتقر إلى الضمانات المؤسسية والقضائية التي تحقق التوازن، كما لم يستوعب البُعد الاجتماعي أو آليات إدارة المخاطر التي تميز النظم الحديثة. ويزداد هذا القصور حدة في السياق السوداني، الذي يتسم بتقلبات اقتصادية حادة على المستويين الكلي والجزئي، حيث تتعرض الشركات والمستثمرون لاضطرابات ناتجة عن تغيرات مفاجئة في السياسات النقدية والضريبية والتنظيمية، الأمر الذي يجعل التعثر المالي في كثير من الحالات نتيجة لظروف خارجية، لا مجرد إخلال فردي بالالتزامات.
ومن ثم، فإن استمرار تطبيق القانون في صورته الحالية يُفضي إلى نتائج تتعارض مع مقتضيات العدالة الاقتصادية والاجتماعية، ويؤكد الحاجة إلى إعادة بناء فلسفته التشريعية في ضوء نظرية العدالة القضائية المركبة وإدارة المخاطر. ويقتضي ذلك إدماج آليات فعّالة، مثل وقف التنفيذ المؤقت، وإعادة الهيكلة، والتسويات الجماعية، إلى جانب تعزيز الرقابة القضائية وضمان حقوق الدفاع، واستلهام مبادئ الفقه الإسلامي في رفع الضرر وتحقيق التوازن، بما يضمن حماية المدين دون الإضرار بحقوق الدائن، ويُحقق بيع الأصول بالقيمة العادلة.
وخلاصة القول، إن الإشكال في قانون بيع الأموال المرهونة لسنة 1990م لا يُعد مجرد خلل إجرائي، بل هو تعبير عن أزمة فلسفية–بنيوية في تصور وظيفة القانون ذاته، حيث تم فصل الكفاءة الإجرائية عن العدالة الموضوعية، وأُهمل دور القضاء في إدارة المخاطر الاقتصادية والاجتماعية. ومن ثم، فإن الإصلاح الحقيقي لا يكمن في تعديلات جزئية، بل في إعادة تأسيس المنظومة القانونية على قاعدة العدالة القضائية المركبة، بما يجعل من القضاء فاعلًا في تحقيق التوازن بين الحقوق، وإدارة المخاطر، وتعزيز الاستقرار المؤسسي، وإعادة القانون إلى وظيفته الأصيلة كأداة لتحقيق الإنصاف والاستقرار في آنٍ واحد.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون والموثق
الأول 01/ 04/ 2026م

 📌لمتابعة جميع المقالات و الاخبار و الوظائف و الدورات التدريبية القانونية عبر قروبات "وعي قانوني" انضم لاحد القروبات

 بالضغط هنا ⚖️ أو للمتابعة عبر تطبيق "خدمات قانونية" قم بتحميله بالضغط هنا

♻️ شارك المنشور تكرما ♻️
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -