عدالة قانون بيع الأموال المرهونة 1990 جدلية عدالة التشريع والتطبيق الدستوري والقضائي للقانون (4)
فريق شرطة(حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي إستشاري القانون والموثق
(Eltayeb2hussein@gmail.com - Eltayeb.hussein@yahoo.com)
----------------------
المقالات (1، 2، 3) قدمت نقدًا بنيويًا لقانون بيع الأموال المرهونة لسنة 1990م في السودان، بوصفه تشريعًا قائمًا أرسى اختلالًا واضحًا بين الشكلية القانونية والعدالة الموضوعية. ويعود ذلك إلى إعلان دستورية القانون بإقرار ذي طابع شكلي، أعقبه تطبيقات قضائية اتجهت في مجمله إلى ترجيح إعتبارات الإستقرار المالي التي قامت عليها فلسفة قانون بيع الأموال المرهونة 1990م، دون مراعاة كافية لحماية حقوق المدين المتعامل مع المصارف والمؤسسات التمويلية - أي مؤسسة تمويل حكومية لديها أموال مرهونة. وقد أفضى هذا المسار إلى تغليب نموذج (القاضي السياسي Political Judge Model) - كسمة بارزة في الممارسة القضائية في السودان - على حساب حماية الحقوق الأساسية، خاصة حق الملكية وضمانات التقاضي، لأن القانون بوصفه قانون اجرائي منح المصارف سلطات تنفيذية واسعة دون رقابة قضائية فعّالة، بما يتعارض مع القوانين الموضوعية والإجرائية المرادفه – قانون المعاملات المدنية 1984م، قانون الاجراءات المدنية 1984م، قانون الشركات 1925م الملغي بقانون 2015م، قانون التحكيم 2018م، وبما في ذلك المبادئ الدستورية الواردة في الوثيقة الدستورية 2019م وما سبقها من وثائق دستورية، دستور 1998م، دستور 2005م.
كما كشفت المقالات عن حالة من الازدواجية المعيارية Institutional Normative Duality والارتداد الوظيفيInstitutional Functional Regression / Judicial Functional Regression في أداء القضاء، حيث تراجعت وظيفة القضاء كحارس للحقوق لصالح دعم الكفاءة التمويلية للمصرف. وفي المقابل، المقالات طرحت نموذج القاضي الهجين The Hybrid Judge Model كصيغة توازنية قادرة على التوفيق بين متطلبات الاستقرار الاقتصادي وحماية الحقوق، ضمن إطار نظرية العدالة المركبة Composite Justise ، بما يستدعي إعادة بناء القانون تشريعيًا وقضائيًا لتحقيق هذا التوازن.
ومن هذا المنطلق، يبرز تحليل القانون بوصفه إشكالًا بنيويًا يتجاوز حدود التقنية القانونية تشريعاً له إلى صميم فلسفة العدالة ووظيفة القضاء، إذ يكشف عن اختلال في التوازن بين الشكلية القانونية والعدالة الموضوعية، نتيجة إعلان الدستورية بإقرار دستوري شكلي وتطبيق قضائي مال كل الميل إلى ترجيح اعتبارات الاستقرار المالي والمؤسسي، مما اعطى أنموذج القاضي السياسي. وقد تجسد ذلك في منح المصارف، بموجب المواد (5، 6، 8، 9، 10)، سلطات مباشرة في بيع الأموال المرهونة دون رقابة قضائية فعّالة، بما نقل جزءًا من السلطة العامة من القضاء إلى جهات دائنة / المصارف، ووضعها في موقع الخصم والحكم معًا، الأمر الذي أضعف التوازن العقدي / التعاقدي وقلّص الحماية الفعلية للمدين/ المتعامل مع المصرف.
إلا أنه من زاوية أخرى، هذا الاختلال لا يمكن فصله عن انعكاساته على البيئة الاقتصادية، خاصة في وجود شركات التمويل الكبرى والشركات التي تباشر نشاط استثماري، وخاصة فيما يفرزه سلوك الشركات الكبرى والمؤسسات التمويلية من نزاعات الرهن الحيازي العقاري والمنقول والديون، وكذلك المستثمرين الوطنيين والأجانب في الاستثمار الأجنبي Foreign Direct Investment (FDI). فمن ناحية، قد يبدو هذا الإطار جاذبًا، لما يوفره من سرعة في استرداد الديون وتقليل مخاطر التعثر، بما يعزز مناخ الإقراض ويشجع التوسع الاستثماري. إلا أن هذه الجاذبية تخفي مفارقة عميقة، إذ إن الاستثمار- لا سيما الاستثمار الأجنبي المباشر Foreign Direct Investment (FDI) - يقوم أساسًا على الثقة في الإطار القانوني–المؤسسي.
وفي هذا السياق، لأهمية الموضوع والمسألة قيد النقاش وموضوع المقالة، تبرز الحاجة إلى ضبط اصطلاحي لمفهومين مركزيين في التحليل لقانون الأموال المرهونه في السودان، لندرة التناول في الأدبيات القانونية السودانية على نحو منهجي: (أولًا) يُقصد بالإطار القانوني–المؤسسي، البناء المركب الذي يضم القواعد القانونية الموضوعية والإجرائية، والتفسيرات بالسوابق القضائية، وآليات التطبيق المؤسسي، في تفاعلها داخل بنية دستورية، بحيث يشكّل هذا التفاعل البيئة الفعلية لتنظيم الحقوق والالتزامات وتحديد مدى فعاليتها. (ثانياً) يُقصد بالنظام القانوني–المؤسسي؛ مجمل البنية المنظمة التي تنتظم داخلها عناصر الإطار القانوني-المؤسسي، بما تشمل من تشريعات، وقضاء، ومؤسسات تنفيذية، وأنماط ممارسة، في إطار من القيم والمبادئ الحاكمة، بحيث يعكس هذا النظام ليس فقط النصوص التشريعية، بل أيضًا كيفية إنتاجها وتفسيرها وتطبيقها في الواقع.
ويكتسب هذا الإطار – النظام القانوني-المؤسسي - أهميةً مضاعفة عند مقارنته بالمعايير الدولية والقيم الفقهية العليا في الشريعة الإسلامية، التي ترسم معالم العدالة المالية والتعاملية في العلاقة بين المصرف والعميل على نحوٍ يتجاوز الشكل إلى جوهر السلوك التعاقدي. فهذه القيم لا تُعد مجرد مرجعية أخلاقية، بل تُشكّل منظومة معيارية حاكمة تُعيد ضبط التوازن بين الأطراف، وتمنع انزلاق العلاقة الائتمانية إلى مجال الاستغلال أو الهيمنة الاقتصادية.
فمن منظور الشريعة الإسلامية السمحاء، تُعدّ مبادئ الوفاء وحسن النية من الأسس الجوهرية التي تقوم عليها المعاملات المالية، إذ يُلزم كلا الطرفين - المصرف والعميل - بالالتزام الصادق بمقتضيات العقد، تنفيذًا لقاعدة (أوفوا بالعقود)، وبما يحقق الثقة والاستقرار في التعاملات المالية. ولا يقتصر حسن النية هنا على مرحلة التنفيذ، بل يمتد إلى مرحلة التفاوض والتعاقد ذاتها، بما يفرض الشفافية ويمنع الغرر والتدليس، ويحول دون استغلال التفوق الاقتصادي أو المعلوماتي لأحد الأطراف على حساب الآخر، الأمر الذي يكرّس عدالة تعاقدية حقيقية لا شكلية.
وانطلاقًا من ذلك، تُشدّد الشريعة الإسلامية - بنصوصها القطعية ومقاصدها الكلية - على مبدأ التناسب في الجزاء أو العقوبة عند الإخلال بالالتزامات، بحيث لا يتحول الجزاء إلى أداة إفراط تُفضي إلى إهدار الحق أو الإضرار غير المبرر بالمدين. فالجزاء يجب أن يكون بقدر الضرر، وأن يحقق الردع دون أن ينقلب إلى تعسف، وهو ما يتقاطع مع القاعدة الفقهية (لا ضرر ولا ضرار) التي تقيد استعمال الحق وتمنع الانحراف به عن غايته المشروعة.
وفي سياق معالجة حالات التعثر، تتجلّى خصوصية الشريعة الإسلامية في إرساء مبدأ التيسير والإمهال، حيث تقرر قاعدة (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة)، بما يفرض على الدائن - بما في ذلك المصرف - منح المدين المُعسر مهلة مناسبة للوفاء، بدلًا من اللجوء الفوري إلى إجراءات التنفيذ الجبري. إلا أن هذا المبدأ لا يقف عند حد الإمهال، بل يرتقي إلى مستوى أعلى من العدالة والإحسان، يتمثل في الحث على إسقاط الدين أو جزء منه وجعله صدقة، كما ورد في قوله تعالى: (وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون)، وهو توجيه يفتح أفقًا إنسانيًا يتجاوز منطق المعاوضة الصارمة إلى منطق التكافل والتخفيف والمسئولية الاجتماعية للبنك ومسئولية الدولة في التشريع الجيد والمقبول الصديق للقضاء والقضاة، خاصة في حالات العجز الحقيقي.
ويمثل هذا البُعد الأخير تطورًا نوعيًا في فلسفة العدالة المالية، إذ لا يُنظر إلى العلاقة بين الدائن والمدين بوصفها علاقة حقوق جامدة فقط، بل كعلاقة اجتماعية ذات امتداد أخلاقي، يُستحضر فيها البُعد الإنساني عند تحقق الإعسار. كما أن إسقاط الدين أو تخفيفه، لا يُعد مجرد تصرف تطوعي، بل أداة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، إذ يُسهم في منع الانهيار المالي للمدين - سواء كان فردًا أو شركة - ويحافظ على استمرارية النشاط الاقتصادي بدل تصفيته القسرية.
وعليه، فإن هذه المبادئ - الوفاء، حسن النية، التناسب، التيسير، وإمكان جعل الدين صدقة - تُشكّل في مجموعها إطارًا معياريًا متكاملًا يوازن بين حماية حقوق الدائن وضمان عدم الإضرار بالمدين، ويمنع تحول العلاقة الائتمانية إلى أداة للهيمنة الاقتصادية. وعند مقارنتها بالمعايير الدولية، يتضح وجود تقاطع عميق في الغايات، حيث تلتقي الشريعة الإسلامية مع هذه المعايير في التأكيد على الشفافية، والإنصاف، وحماية الطرف الأضعف، وإدارة التعثر بصورة عادلة، وإن كانت الشريعة الإسلامية تنفرد بإضافة البُعد الإحساني الذي يتجاوز الحد الأدنى للعدالة إلى فضاء التضامن.
ومن هذا المنطلق، يكتسب دور القاضي- وخاصة في نموذج القاضي الهجين The Hybrid Judge Model - أهمية محورية، إذ يُناط به تفعيل هذه القيم ضمن الإطار القانوني- المؤسسي، عبر تغليب القواعد الموضوعية الآمرة المستمدة من هذه المبادئ، وإعادة تفسير النصوص الإجرائية بما يحقق التوازن بين العدالة المعيارية ومتطلبات الاستقرار المالي. فالقاضي، في هذا السياق، لا يكتفي بتطبيق النص التشريعي للقاعدة من القانون، بل يُعيد توجيهه في ضوء هذه القيم، بما يضمن أن تظل العدالة في جوهرها حمايةً للحقوق، ومراعاةً للإنصاف، واستحضارًا للبُعد الإنساني في المعاملات المالية.
وعلى النقيض من ذلك مقابل القاضي الهجين، يبرز نموذج القاضي الحارس (Rights-Guardian Judge- Guardian Judge) - بوصفه نموذجًا يتسم بصرامةٍ معيارية في حماية الحقوق، إلا أن هذه الصرامة قد تنزلق - في بعض التطبيقات - إلى حرفيةٍ نصيةٍ جامدة تُقيّد فاعلية العدالة بدل أن تعزّزها. فالقاضي الحارس، في تمسكه بعلوية النص التشريعي، يميل إلى تطبيق القواعد التشريعية كما وردت، دون توسّع في التأويل أو استحضارٍ كافٍ للسياقات الاقتصادية والاجتماعية المحيطة بالنزاع، الأمر الذي يجعله أقرب إلى حارس للنص منه إلى مُفعِّل لمقاصده.
ومن منظور فقهي، يثير هذا التوجه إشكالًا يتعلق بالعلاقة بين ظاهر النص ومقصده؛ إذ استقر في أصول الفقه أن (العبرة بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني) عند التعارض، وأن إعمال النص لا يكون على نحوٍ يُفضي إلى إهدار مقاصده أو تعطيل حكمته. فالتطبيق الحرفي، وإن بدا منسجمًا مع مبدأ الشرعية، قد ينتهي -في حالات معينة - إلى نتائج تتعارض مع العدالة الموضوعية، خاصة إذا تجاهل القواعد الكلية مثل رفع الضرر، وتحقيق التوازن، ومراعاة المآلات. ومن ثم، فإن الجمود عند ظاهر النص دون نظرٍ إلى علّته وغايته يُعد قصورًا في الفهم لا وفاءً كاملاً به. كما أن الفقه القانوني الحديث يقرّر أن النصوص التشريعية - لا سيما الإجرائية منها - ليست غاية في ذاتها، بل وسائل لتحقيق العدالة، وأن تفسيرها يجب أن يتم في ضوء القواعد الموضوعية الآمرة التي تمثل جوهر النظام العام. وعليه، فإن التمسك الحرفي بالنص التشريعي للقانون، إذا أفضى إلى الإضرار بحقوق أساسية كحق الملكية أو حق التقاضي، يُعد انحرافًا عن وظيفة القضاء، لأنه يُحوّل الأداة (الإجراء) إلى غاية، ويُقدّم الشكل على المضمون.
ومن هنا، يتضح أن القاضي الحارسGuardian Judge ، رغم أهميته في حماية الشرعية ومنع التعسف، قد يقف - بسبب نزوعه النصّي - عاجزًا عن استيعاب تعقيدات الواقع الاقتصادي، خاصة في منازعات التمويل والرهن، حيث تتداخل الاعتبارات القانونية مع الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية. وهذا ما يبرز الحاجة إلى تجاوز هذا النموذج Model Rights-Guardian Judge – أي القاضي الحارس نحو مقاربة أكثر توازنًا، لا تُهدر النص التشريعي ولا تجمّده، بل تُعيد قراءته في ضوء مقاصده، وهو الدور الذي ينهض به القاضي الهجين The Hybrid Judge Model بوصفه صيغةً وسطى تجمع بين احترام النص وتحقيق العدالة في معناها الموضوعي والمؤسسي.
أما من منظور المعايير الدولية، فإن القواعد الناظمة لممارسات البنوك ومؤسسات التمويل، لا تقف عند حدود المبادئ العامة أو التوجيهات المجردة، بل تقوم على بنية معيارية متكاملة ومتراكمة، تُترجم إلى التزامات قانونية ورقابية دقيقة تُقاس بها عدالة السلوك الائتماني وفعاليته في آنٍ واحد. فمبادئ لجنة بازل للرقابة المصرفية (Basel Committee on Banking Supervision)، إلى جانب مبادئ مجموعة العشرين ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لحماية المستهلك المالي (G20/OECD Financial Consumer Protection Principles)، تشكّل إطارًا مرجعيًا دوليًا يهدف إلى تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الكفاءة المالية واستقرار النظام المصرفي من جهة، وضمان حماية الأطراف الأضعف في العلاقة التعاقدية، وعلى رأسهم المدين/ الراهن المتعامل مع المصرف، من جهة أخرى. وهذا التوازن لا يُفهم بوصفه خيارًا سياساتيًا/ سياسات مالية لإدارة الدين، بل كشرط بنيوي لاستدامة الثقة في النظام المالي–المؤسسي.
وفي هذا السياق، تتجلى أولى هذه المرتكزات في مبدأ الشفافية، الذي لا يُختزل في مجرد الإفصاح الشكلي عن البيانات، بل يتخذ طابعًا موضوعيًا يفرض على المصارف تقديم معلومات كاملة، دقيقة، ومفهومة بشأن شروط التمويل، وأسعار الفائدة، وطبيعة الضمانات، ومخاطر التعثر، والآثار القانونية والاقتصادية المترتبة على التنفيذ على الأموال المرهونة. فالمعيار الدولي هنا لا يكتفي بإتاحة المعلومات، بل يشترط قابليتها للاستيعاب الفعلي من قبل / جانب العميل، بما يحدّ من ظاهرة اللامساواة المعرفية التي تُعد أحد أهم مصادر اختلال التوازن العقدي، ويحول دون تحول العلاقة التعاقدية إلى علاقة غير متكافئة في جوهرها.
وانطلاقًا من ذلك، يرتبط مبدأ الشفافية ارتباطًا وثيقًا بمبدأ الإنصاف والعدالة التعاقدية، حيث تُلزم المعايير الدولية المصارف بعدم تضمين عقودها شروطًا تعسفية أو استغلال مركزها الاقتصادي الأقوى لفرض التزامات مجحفة على المدين. ويبرز هذا التوجه بوضوح في قواعد الإقراض المسئول (Responsible Lending)، التي تفرض على المؤسسة التمويلية التحقق من الملاءة المالية للعميل وقدرته الواقعية على السداد قبل منحه التمويل، بحيث لا يتحول العقد إلى أداة لإنتاج التعثر بدل تنظيم الائتمان. وبهذا المعنى، فإن العدالة التعاقدية لا تُقاس فقط بعدالة النص العقدي/ التعاقدي، بل بعدالة سلوك الأطراف في مرحلة التعاقد وما بعدها.
وتتعمق هذه الحماية من خلال مبدأ حماية المدين من التعسف، الذي يُعد من الركائز الجوهرية في المعايير الدولية، إذ يقيّد سلطة المصارف في مباشرة إجراءات التنفيذ على الضمانات. فالتنفيذ، وفق هذه المعايير، يجب أن يكون متدرجًا، ومتناسبًا، وخاضعًا لرقابة مؤسسيه فعالة ومن القضاء، مع منح المدين فرصًا حقيقية لتسوية وضعه قبل اللجوء إلى البيع الجبري. ويتقاطع ذلك مع مبدأ التناسب (Proportionality)، الذي يمنع أن يؤدي إخلال جزئي أو ظرفي إلى جزاء مفرط كفقدان كامل الأصل المرهون دون مراعاة لقيمة الدين أو لظروف المدين، وهو ما يعكس انتقال الفكر القانوني من منطق العقاب إلى منطق التوازن والإنصاف.
ولا يكتمل هذا البناء المعياري دون إرساء آليات فعالة للتظلم والرقابة البعدية، حيث تؤكد المعايير الدولية على ضرورة تمكين العميل من اللجوء إلى قنوات مستقلة للنظر في النزاع، سواء كانت قضائية أو شبه قضائية، مثل هيئات تسوية المنازعات المالية أو لجان فض المنازعات المصرفية. وتمثل هذه الآليات الضمانة العملية لتحويل الحقوق من مجرد نصوص تعاقدية / عقدية إلى واقع قابل للنفاذ، إذ تتيح مراجعة قرارات المصارف، وتحدّ من الانفراد في تفسير العقد أو تنفيذه، وتُعيد التوازن إلى العلاقة التعاقدية عند اختلالها.
وفي امتداد طبيعي لهذه المبادئ، تبرز مسألة إدارة حالات التعثر والإعسار بوصفها اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام النظام المالي بالعدالة. فالمعايير الدولية لا تنظر إلى التعثر باعتباره إخلالًا يستوجب الجزاء الفوري، بل كحالة اقتصادية مركبة تتطلب معالجة مرنة ومتدرجة، تشمل إعادة جدولة الديون، وإعادة الهيكلة، والتفاوض بين الأطراف، بما يحافظ على استمرارية النشاط الاقتصادي ويقلل من الخسائر النظامية. ومن ثم، فإن الهدف لا يقتصر على استيفاء الدين، بل يمتد إلى الحفاظ على القيمة الاقتصادية للمشروع أو الأصل محل التمويل، وهو ما يحقق مصلحة متبادلة للدائن والمدين على السواء.
ولم تبقَ هذه المبادئ حبيسة الإطار النظري، بل وجدت طريقها إلى التطبيق في العديد من الأنظمة القضائية المقارنة. ففي المملكة المتحدة (بريطانيا)، على سبيل المثال، أكدت المحاكم في قضايا الرهن العقاري ضرورة خضوع قرارات حجز وبيع المساكن لاختبار التناسب، مع منح المدين فرصة معقولة للسداد قبل التنفيذ، حمايةً للحق في الملكية والاستقرار الأسري، مؤكده الرقابة القضائية على الرهن والوفاء والإلزام. وفي الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة عقب أزمة الرهن العقاري لعام 2008م، اتجهت المحاكم إلى إلزام المصارف بإعادة التفاوض مع المقترضين من خلال آليات تعديل القروض (Loan Modification) قبل مباشرة إجراءات الحجز، تجسيدًا لمبادئ العدالة التعاقدية وحماية المستهلك المالي. أما في دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد كرّست بعض الأحكام القضائية اتجاهًا يقضي بوقف إجراءات التنفيذ في حالات التعثر، وإلزام المصارف بإعادة جدولة الديون تحت إشراف قضائي، بما يحقق التوازن بين مصلحة الدائن واستمرارية النشاط الاقتصادي للمدين، خاصة في سياق الشركات الكبرى والاستثمارات.
وتكشف هذه التطبيقات المقارنة أن جوهر المعايير الدولية، لا يكمن في تقييد العمل المصرفي أو إبطاء كفاءته، بل في إعادة تنظيمه ضمن إطار من العدالة المؤسسية التي تعزز الثقة وتدعم الاستقرار على المدى الطويل. فالمصرف، في هذا التصور، لا يُعامل كدائن مطلق السلطة، بل كفاعل مؤسسي مُقيّد بقواعد العدالة والإنصاف، كما أن المدين لا يُختزل في كونه طرفًا ضعيفًا، بل يُنظر إليه كشريك في علاقة تعاقدية تستوجب الحماية والتوازن والرقابة القضائية.
وفي ضوء ذلك، يتضح أن أي نظام قانوني - كما في حالة قانون بيع الأموال المرهونة لسنة 1990م في السودان - إذا انحاز إلى الكفاءة الإجرائية على حساب هذه المعايير، فإنه لا يؤسس لاستقرار حقيقي، بل ينتج استقرارًا هشًا قائمًا على اختلال التوازن بين الحقوق والوظائف. ومن هنا تتعزز أهمية الحاجة الملحة لنموذج القاضي الهجين The Hybrid Judge Model، الذي يضطلع بدور محوري في إعادة إدماج المعايير الدولية ضمن التفسير القضائي للنصوص الوطنية، عبر تغليب القواعد الموضوعية الآمرة، وإخضاع إجراءات التنفيذ لرقابة قضائية فعالة، بما يحقق التوازن بين حماية الحقوق وضمان الاستقرار المالي، ويؤسس لبيئة قانونية –مؤسسية قادرة على استيعاب متطلبات الاستثمار، وخاصة الاستثمار الأجنبي، في إطار من الثقة والاستدامة.
وانطلاقًا من هذا التحديد، فإن استقرار هذا الإطار والنظام معًا، وقابليتهما للتنبؤ، واحترامهما للحقوق الأساسية، تمثل عناصر حاسمة في قرارات الاستثمار. وعليه، فإن إضعاف الرقابة القضائية وتقييد حق التقاضي وفتح المجال لاحتمالات التعسف في التنفيذ، بما يتعارض مع قيم الوفاء وحسن النية ومبادئ العدالة العقدية، تمثل عوامل تقوّض الثقة في النظام القانوني–المؤسسي، وتثير قلق المستثمر طويل الأجل، الذي يدرك أن أي نظام يختل فيه التوازن بين الأطراف هو نظام قابل لعدم الاستقرار، مهما بدا فعالًا في المدى القصير.
وفي هذا السياق، تتجلى ازدواجية الأثر الاستثماري للقانون: أثر إيجابي قصير الأجل يتمثل في تعزيز سرعة التنفيذ والكفاءة التمويلية، وأثر سلبي طويل الأجل يتمثل في إضعاف الثقة المؤسسية وتقويض الأمن القانوني. وترتبط هذه الازدواجية بمفهوم (الارتداد الوظيفي)، حيث يتحول القضاء من حارس للحقوق إلى فاعل ضمن منظومة الكفاءة المالية، بما يخلّ بوظيفته الدستورية ويعمّق التوتر داخل البنية المؤسسية.
ومن ثم، فإن معالجة هذا الاختلال لا تقتصر على نقد النصوص التشريعية، بل تقتضي إعادة بناء الإطار والنظام القانوني - المؤسسي على أسس توازن حقيقي بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة القانونية، مع تضمين المعايير الدولية ومبادئ الشريعة الإسلامية ذات الصلة، لضمان التزام المصارف بالوفاء وحسن النية، واحترام التوازن العقدي، ووضع حدود للعقاب الجزائي أو التنفيذ التعسفي. وهنا يبرز الحاجة لنموذج (القاضي الهجين) بوصفه مدخلًا تفسيريًا وتطبيقيًا، يزاوج بين احترام النصوص التشريعية للقانون وتحقيق مقاصدها، ويُخضع الاعتبارات الاقتصادية والتمويلية لرقابة معيارية تستند إلى مبادئ العدالة، دون تعطيل فاعلية النظام المالي.
وبذلك، فإن بناء بيئة استثمارية مستقرة ومستدامة - خاصة في سياق جذب الشركات الكبرى والاستثمار الأجنبي المباشر - لا يتحقق عبر ترجيح الكفاءة المالية على حساب العدالة، بل من خلال ترسيخ نظام قانوني - مؤسسي متوازن، يحقق التكامل بين حماية الحقوق واستقرار المعاملات، مع مراعاة إعلاء القيم الفقهية والشروط الدولية للمعاملات المالية. فسيادة القانون وفعالية القضاء وضمانات التقاضي، ليست عوائق أمام الاستثمار أو الرهن، بل تمثل شروطه الأساسية، وأي إخلال بها لا يؤدي إلا إلى استقرار ظاهري سرعان ما يكشف عن هشاشته في مواجهة الأزمات، وهو ما يفضي لمسئولية الأمانة الاخلاقية السياسية الوظيفية للقضاء ووزير العدل والمجلس التشريعي الانتقالي اللإستثنائي، بإصدار تشريع قانون جديد بإلغاء قانون بيع الأموال المرهونة 1990م، والدعوى لتفعيل قانون المعاملات المدنية وقانون الاجراءات المدنية، وخاصة الزملاء المحاميين، بتحريك دعاوى الرهن بمقتضى قانوني المعاملات الاجراءات المدنية، وللحديث بقيه.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون والموثق
29 مارس 2026م
📌لمتابعة جميع المقالات و الاخبار و الوظائف و الدورات التدريبية القانونية عبر قروبات "وعي قانوني" انضم لاحد القروبات