عدالة قانون بيع الأموال المرهونة 1990 جدلية عدالة التشريع والتطبيق الدستوري والقضائي للقانون (5)
فريق شرطة(حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي إستشاري القانون والموثق
(Eltayeb2hussein@gmail.com - Eltayeb.hussein@yahoo.com)
----------------------
تُظهر قراءة قانون بيع الأموال المرهونة لسنة 1990م أنه لا يقتصر على كونه تنظيمًا إجرائيًا لآليات التنفيذ على الضمانات، أي مجموعة القواعد التي تحدد كيفية بيع المال المرهون لاستيفاء الدين، بل يكشف عن إشكال بنيوي أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة بين الشكلية القانونية والعدالة الموضوعية.
فالشكلية القانونية تُقصد بها الالتزام الحرفي بالإجراءات والنصوص المنظمة للتنفيذ، بصرف النظر عن النتائج العملية المترتبة عليها، بينما تُعبّر العدالة الموضوعية عن تحقيق الإنصاف الفعلي بين الأطراف، من خلال حماية الحقوق الأساسية وضمان التوازن في العلاقة التعاقدية.
ومن هذا المنظور، فإن الإشكال لا يكمن في وجود إجراءات لتنفيذ الرهن في حد ذاتها، بل في أن هذه الإجراءات—كما نظمها القانون—قد تُطبّق بطريقة تُقدّم الامتثال الشكلي للنص على حساب تحقيق العدالة الفعلية، وهو ما يؤدي إلى اختلال التوازن بين الدائن (المصرف) والمدين / المتعامل مع المصرف، ويحوّل الإجراء من وسيلة لتحقيق الحق إلى أداة قد تُفضي إلى الإضرار به.
فقد أرسى هذا القانون، من خلال منحه المصارف سلطات واسعة ومباشرة في بيع الأموال المرهونة دون رقابة قضائية فعّالة، وضعًا مختلًا نقل جزءًا من وظيفة القضاء / السلطة العامة للإقتضاء إلى الدائن / المصرف، وأضعف في المقابل حماية المدين / المتعامل مع المصرف وحقه في التقاضي، بما أخلّ بالتوازن التعاقدي وأعاد تشكيل العلاقة الائتمانية على نحو غير متكافئ.
وإذا كان هذا الاختلال قد حظي بإعلان دستورية قانون بيع الأموال المرهونه بإقرار حكم دستوري، فإن هذا الإقرار لم يتجاوز في جوهره الطابع الشكلي، إذ سرعان ما انعكس في التطبيق القضائي اتجاهٌ واضح نحو ترجيح اعتبارات الاستقرار المالي والكفاءة التمويلية على حساب حماية الحقوق الأساسية. وقد أسهم هذا التوجه في تكريس نموذج القاضي السياسي، الذي ينخرط ضمن منطق النظام المالي أكثر من تمسكه بوظيفته الأصلية كحارس للحقوق، الأمر الذي أفرز حالة من الازدواجية المعيارية والارتداد الوظيفي في أداء القضاء، حيث تراجعت العدالة الموضوعية لصالح اعتبارات النجاعة الاقتصادية.
إلا أن هذا المسار لا يمكن فصله عن انعكاساته على البيئة الاستثمارية، إذ يكشف القانون عن مفارقة جوهرية تتمثل في إنتاجه لأثر مزدوج: فمن ناحية، يوفر سرعة في استرداد الديون ويعزز مناخ الإقراض، وهو ما قد يبدو جاذبًا للاستثمار على المدى القصير، لا سيما في سياق الشركات الكبرى والاستثمار الأجنبي المباشر. إلا أن هذه الجاذبية تخفي في المقابل أثرًا سلبيًا أعمق على المدى الطويل، يتمثل في تقويض الثقة في الإطار القانوني–المؤسسي نتيجة ضعف الضمانات وغياب الرقابة القضائية الفعالة، وهو ما يُعد عنصرًا حاسمًا في قرارات المستثمرين.
وفي هذا السياق، يكتسب المعيار المقارن أهميته، حيث يتبين أن القانون ينحرف عن كلٍّ من مبادئ الشريعة الإسلامية والمعايير الدولية المنظمة للتمويل. فالشريعة تؤسس لمنظومة قِيمية تقوم على الوفاء، وحسن النية، والتناسب، والتيسير، ومنع الضرر، بما يضمن تحقيق عدالة تعاقدية حقيقية لا شكلية، بل وتفتح المجال أمام بُعدٍ إنساني يتجلى في إمكان إسقاط الدين أو تخفيفه في حالات الإعسار. كما تلتقي هذه المبادئ مع المعايير الدولية التي تؤكد على الشفافية، والإقراض المسئول، والتناسب في التنفيذ، وحماية المدين / المتعامل مع المصرف، وإخضاع إجراءات التنفيذ لرقابة قضائية فعّالة. وبذلك، فإن كلا المرجعيتين تلتقيان في ضرورة إعادة التوازن إلى العلاقة بين الدائن والمدين ومنع تحولها إلى أداة للهيمنة الاقتصادية.
ومن هذا المنطلق، يبرز النقاش حول نماذج القضاء بوصفه مدخلًا لفهم هذا الاختلال ومعالجته. فالقاضي الحارس، رغم أهميته في حماية الشرعية، قد ينزلق إلى تطبيق حرفي جامد للنصوص التشريعية، يفرغها من مقاصدها ويقيد فاعلية العدالة. وفي المقابل، يتجلى القاضي السياسي في انحيازه إلى متطلبات الكفاءة المالية، ولو على حساب الحقوق الأساسية. وبين هذين النموذجين، يبرز القاضي الهجين بوصفه الصيغة الأكثر توازنًا، إذ يجمع بين احترام النصوص التشريعية وإعادة تفسيرها في ضوء مقاصدها، بما يحقق التكامل بين العدالة الموضوعية والاستقرار الاقتصادي، ويعيد للقضاء دوره كفاعل معياري لا مجرد منفذ إجرائي.
وعليه، فإن الإشكال الذي يطرحه هذا القانون لا يمكن معالجته في حدود نقد النصوص التشريعية للقانون، بل يقتضي إعادة بناء الإطار القانوني–المؤسسي برمته على أسس توازن حقيقي بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة القانونية. ويستدعي ذلك، في جوهره، إلغاء قانون 1990م، وتفعيل القواعد العامة الواردة في قانون المعاملات المدنية وقانون الإجراءات المدنية، مع تعزيز الرقابة القضائية على إجراءات التنفيذ، ومواءمة التشريع مع كلٍّ من مبادئ الشريعة الإسلامية والمعايير الدولية ذات الصلة.
وخلاصة القول، إن بناء بيئة استثمارية مستقرة ومستدامة لا يتحقق عبر تغليب الكفاءة المالية على حساب العدالة، بل من خلال ترسيخ نظام قانوني–مؤسسي متوازن يضمن حماية الحقوق ويعزز الثقة في القضاء وسيادة القانون. فهذه الضمانات لا تمثل عائقًا أمام الاستثمار، بل تشكل شرطًا جوهريًا لاستدامته، لا سيما في سياق نزاعات بيع الأموال المرهونة التي تتأثر بعدة متغيرات حاسمة، منها قدرة المدين على الوفاء بالسداد، وتقلبات الاقتصاد الوطني والأسواق المالية، إضافة إلى عدم استقرار السياسات الاقتصادية التي قد تزيد من المخاطر على المستثمرين.
وفي هذا الإطار، يصبح القانون أداة للتوازن بين مصالح الدائنين والمدينين، بما يضمن استمرار الشركات الكبرى والمستثمرين الراغبين في الاستمرار والبقاء في السودان، ويتيح لهم التعامل مع المتغيرات الاقتصادية بشكل مرن وعادل. فالالتزام بالحقوق الموضوعية، مثل حماية المدين وتمكينه من السداد وفق قدرته الفعلية، لا يقتصر على بُعد أخلاقي أو قانوني، بل يرتبط مباشرة بقدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات، وتحقيق مناخ استثماري مستقر يوازن بين الربحية والاستقرار المؤسسي.
ومن هنا، يتضح أن أي إخلال بهذا التوازن - سواء عبر تطبيق صارم للقواعد الإجرائية دون مراعاة العدالة الموضوعية، أو عبر السماح بسلطات مفرطة للدائنين - لا يؤدي إلا إلى استقرار ظاهري سرعان ما تنكشف هشاشته في مواجهة الأزمات والنزاعات الاقتصادية، ويهدد ثقة المستثمرين واستمرارية الشركات الكبرى في السوق السوداني.
وفي امتدادٍ نظري لهذا التحليل، يبرز المبدأ الفقهي الحاكم عند تعارض القواعد الإجرائية مع القواعد الموضوعية الآمرة، بوصفه مدخلًا حاسمًا لتحديد وظيفة القضاء في هذا السياق؛ إذ يقتضي هذا المبدأ تغليب القاعدة الموضوعية باعتبارها تعبيرًا عن النظام العام وضمانة للحقوق الأساسية، مع إعادة تفسير القاعدة الإجرائية بما يحقق الانسجام بين العدالة المعيارية والعدالة الوظيفية. فالقواعد الموضوعية الآمرة تمثل جوهر الحماية القانونية ولا تقبل الإهدار أو التنازل، بينما تظل القواعد الإجرائية وسائل تنظيمية لا تكتسب مشروعيتها إلا بقدر خدمتها لتلك الحماية.
ومن هنا، تتحدد وظيفة القاضي الهجين بوصفها وظيفة بنائية لا تطبيقية فحسب، إذ لا يقتصر دوره على إنفاذ النصوص التشريعية، بل يمتد إلى إعادة تركيب العلاقة بين الشكل والمضمون، بما يضمن حماية الحقوق دون الإضرار بالاستقرار المؤسسي. ويظهر هذا التمايز بوضوح عند مقارنته بالنماذج الأخرى؛ فالقاضي السياسي قد يغلّب الإجراء ولو أضر بالحقوق، بينما القاضي الحارس قد يغلّب الحق في صورته المجردة دون اعتبار كافٍ لمقتضيات الاستقرار، أما القاضي الهجين فيسعى إلى تحقيق توازن مركب، يُعلي من شأن الحقوق مع إعادة إدماج الإجراء ضمن إطار منسجم مع هذه الغاية.
ولا يظل هذا المبدأ حبيس الإطار النظري، بل يجد تطبيقه العملي في تجارب قضائية متعددة تكشف عن كيفية تغليب القواعد الموضوعية على القيود الإجرائية في سياقات مختلفة. ففي فرنسا، وفي إطار منازعات بين مستهلكين أفراد وشركات تمويل أو مزوّدي خدمات، واجه القضاء حالات تضمنت شروطًا تعسفية مقترنة بقيود إجرائية تتعلق بآجال الطعن أو حدود إثارة الدفوع، إلا أن المحاكم اعتبرت قواعد حماية المستهلك من النظام العام، وأجازت إثارتها تلقائيًا رغم السقوط الإجرائي، تغليبًا للمضمون الحقوقي؛ وخلاصة ذلك، أن الإجراء لا يُقبل إذا أدى إلى إهدار الحماية.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية، جاءت قضية Erie Railroad Co. v. Tompkins في سياق نزاع بين فرد وشركة سكك حديدية، حيث ثار التساؤل حول القانون الواجب التطبيق، فقضت المحكمة العليا بتغليب القواعد الموضوعية لقانون الولاية في تحديد الحقوق، رغم خضوع الإجراءات لقانون فيدرالي؛ وخلاصة هذه التجربة أن تحديد الحق لا يجوز أن يُترك لهيمنة الإجراء. أما في بريطانيا، وفي نزاع أسري–مالي بين أطراف خاصة، كما في قضية Potanina v. Potanin (2024)، فقد سعى أحد الأطراف إلى التمسك بقيود إجرائية قد تحرم الطرف الآخر من عرض دفاعه، إلا أن المحكمة العليا أعادت تفسير تلك القيود بما يضمن حق الدفاع؛ وخلاصة ذلك، أن الإجراء يفقد مشروعيته إذا تحوّل إلى أداة لإقصاء الخصم. وفي ألمانيا، وفي قضايا بين الأفراد والدولة تتعلق بالحقوق الأساسية، واجهت المحكمة الدستورية قيودًا إجرائية صارمة تحول دون قبول الطعون، إلا أنها قررت أن هذه القيود لا يجوز أن تعطل الوصول إلى العدالة الدستورية؛ وخلاصة ذلك، أن القاعدة الموضوعية الدستورية تعلو على القيود الشكلية.
أما في السودان، وفي سياق سلسلة التدابير الاستثنائية لمواجهة المخاطر والأزمات الاقتصادية، والتي شملت الاستيلاء على الأموال المنقولة والحجز على البضائع والمركبات، حيث يندرج النزاع غالبًا بين الأفراد أو الشركات من جهة والسلطة العامة من جهة أخرى، فقد ظهرت نصوص إجرائية استثنائية حدّت من حق التقاضي وحق الدفاع. إلا أن القضاء، في بعض اتجاهاته، قرر ضرورة تفسير هذه التدابير الاستثنائية بما يضمن حماية الحق في المحاكمة العادلة؛ وخلاصة ذلك، أن الطابع الاستثنائي للإجراءات لا يبرر المساس بجوهر الحقوق الأساسية، ولا يمكن أن يتحول إلى وسيلة لإلغاء الضمانات القانونية أو الحد من العدالة.
وبينما في مصر، وفي منازعات الإيجارات بين الملاك والمستأجرين، يكتسب النزاع بعدًا مزدوجًا بين حقوق الملكية الخاصة وحق السكن المكفول اجتماعيًا، لا سيما في ضوء قوانين الإيجار القديم والجديد. فالإيجار القديم يحمي المستأجرين من الإخلاء المفاجئ ويحدّ من زيادة الإيجار، بما يعكس سياسة اجتماعية للحفاظ على السكن، بينما يمنح الإيجار الجديد الملاك مرونة أكبر في تحديد القيمة الإيجارية واسترداد ممتلكاتهم وفق قواعد السوق.
وقد واجه القضاء المصري تحديًا في تحقيق التوازن بين هذه المصالح المتعارضة؛ إذ يجب حماية المستأجرين من الممارسات التعسفية والإخلاء غير المبرر، وفي الوقت نفسه ضمان حق الملاك في استثمار ممتلكاتهم واستعادة ملكيتهم وفقًا للقانون. وهنا يأتي دور القضاء في تفسير القواعد الإجرائية بمرونة، بحيث تظل الإجراءات القانونية وسيلة لضبط النزاع وليس أداة لإهدار الحقوق، ويضمن ذلك التوازن الاجتماعي والاقتصادي. وخلاصة ذلك، أن العدالة في منازعات الإيجار تتطلب إخضاع الإجراءات القانونية لاعتبارات التوازن بين حماية الحق في السكن وضمان الملكية الخاصة، بما يحقق استقرار العلاقة بين الأطراف، ويجنب النزاع التحول إلى صراع اقتصادي أو اجتماعي واسع. كما يبرز هنا وبوجه خاص مبدأ القاضي الهجين في تطبيقه، إذ يغلب الحق الموضوعي للمستأجر أو المالك حسب حالة النزاع، ويعيد صياغة الإجراءات بما يتوافق مع هذا التوازن.
وبذلك، يكشف هذا الامتداد المقارن عن خيط ناظم واحد، يتمثل في أن الإجراءات ليست غاية في ذاتها، بل أداة يجب أن تخضع لرقابة معيارية تضمن عدم تحولها إلى وسيلة لإهدار الحقوق. ومن ثم، فإنه من حيث التحليل للقانون، نموذج القاضي الهجين لا يمثل طرحًا نظريًا مجردًا، بل يعكس اتجاهًا قضائيًا عالميًا يسعى إلى إعادة بناء العلاقة بين الشكل والمضمون في إطار العدالة المركبة.
وفي هذا المستوى من التحليل المقاصدي، ومن زاوية نظرية الحق ونظرية العدالة القضائية ونظرية الارتداد والتوتر المؤسسي–الوظيفي، التي تعكس مستويات وأشكال العدالة البنيوية والمعيارية، تبرز الحاجة إلى ضبط الأساس النظري الذي يقوم عليه نموذج القاضي الهجين. فـنظرية الحق تُعرَّف بوصفها الإطار الذي ينظم تحديد الحقوق وحمايتها باعتبارها قيمًا معيارية آمرة، تعكس جوهر النظام العام، وتفرض تغليبها متى تعارضت مع القيود الإجرائية أو الاختلالات المؤسسية. وهي تشكل مستوى من مستويات العدالة البنيوية، إذ تحدد ما يجب أن يكون عليه القانون لضمان حماية الحقوق الأساسية كأساس ثابت للنظام القانوني. أما نظرية العدالة القضائية، فتُعنى بكيفية تحقيق العدالة عبر العمل القضائي، من خلال التوفيق بين الشرعية القانونية والإنصاف، بحيث تقوم على توازن بين صحة القاعدة وعدالة التطبيق وتناسب الأثر. وتمثل هذه النظرية بُعدًا من العدالة المعيارية، إذ تحدد كيف يجب أن تُطبَّق القواعد لتحقيق العدالة العملية، مع مراعاة السياق والظروف الواقعية للأطراف المتنازعة.
وفي السياق، توضيحاً، تتجلى أشكال العدالة في خمسة أبعاد متكاملة: العدالة القانونية: تتعلق بتكافؤ الجميع أمام القانون، وضمان الالتزام بالقواعد القانونية دون تمييز. وبينما العدالة الإجرائية: تعنى بضمان سير الإجراءات القضائية بطريقة منصفة، تحمي الحق في الدفاع وتحقق الشفافية والنزاهة في التقاضي. وأما العدالة التصحيحية: تُعنى بإصلاح الضرر الناتج عن مخالفة القانون أو الإخلال بالحقوق، من خلال التعويض أو إعادة الحقوق المتضررة. وفي المقابل، العدالة التوزيعية: تهدف إلى ضمان توزيع الموارد والفرص الاقتصادية والاجتماعية بطريقة عادلة، بما يحقق التوازن بين مصالح الأفراد والمجتمع. وأخيراً، العدالة التكافلية: تمثل بُعد المسئولية الاجتماعية، حيث تتحمل المصارف والدولة واجبات تجاه المجتمع والأطراف الأضعف، بما يشمل الإقراض المسئول وحماية الفئات الهشة، وتيسير الوفاء بالالتزامات دون الإضرار بالمدينين أو البيئة الاقتصادية، وضمان توزيع عادل للأعباء والفُرص، خصوصًا في حالات الأزمات الاقتصادية والطوارئ.
ويُبرز وبوجه خاص، البُعد التكافلي للعدالة في الشريعة الإسلامية من خلال التصدق بالدين على المدين العاجز، أي إسقاط جزء من الدين أو التخفيف عنه مراعاةً لظروفه المالية، بما يحقق التوازن بين حماية الحقوق ومراعاة الوفاء للمجتمع، كما جاء في قوله تعالى: (فَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَنْ تَصْدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، سورة البقرة، الآية 280. وتُكمل هذه الفكرة في الاسلام والشريعة الاسلامية الآية الكريمة: (إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ، وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُمْ مِن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)، سورة البقرة، الآية 271. وتوضح هذه الآيات الكريمات، أن التيسير والتخفيف عن المدين، أو التصدق على الفقراء، ليس مجرد فعل رحمة، بل مبدأ اجتماعي يحقق التوازن بين حماية الحقوق الفردية وضمان الوفاء للمجتمع، ويؤسس لمعايير المسؤولية الاجتماعية للمصارف والدولة في الحفاظ على الاستقرار المالي والاجتماعي، بما يتسق مع مبدأ العدالة التكافلية.
ومن جهة أخرى، تأتي نظرية الارتداد والتوتر المؤسسي - الوظيفي، فهي تكشف عن ديناميكية الاختلال داخل النظام القانوني عندما تنحرف الوظائف التشريعية أو القضائية عن غاياتها، بما يستدعي تدخل القضاء لإعادة التوازن وتصحيح المسار. وتُبرز هذه النظرية مستويات العدالة البنيوية على الصعيد المؤسسي، حيث يُنظر إلى النظام القانوني كوحدة متكاملة تتفاعل فيها التشريعات والإجراءات القضائية والمؤسسات معًا، وتتطلب مراقبة مستمرة لضمان توافقها مع الغايات المرجوة للعدالة.
وبدمج هذه النظريات وأبعاد العدالة، يمكن رسم صورة واضحة لمستوى العدالة البنيوية، الذي يحدد أسس النظام والقواعد الآمرة، وأشكال العدالة المعيارية، التي تتحقق من خلال التطبيق القضائي الذكي والمتوازن، بما يتيح للقاضي الهجين إعادة ضبط العلاقة بين الشكل والمضمون، وضمان حماية الحقوق دون المساس بالاستقرار المؤسسي، مع مراعاة البعد الاجتماعي والتكافلي للمسئولية الاقتصادية، بما يعكس التكامل بين العدالة القانونية، والإجرائية، والتصحيحية، والتوزيعية، والتكافلية في سياق تحقيق العدالة المركبة.
ومن خلال تفاعل هذه النظريات مع أبعاد العدالة، يمكن استخلاص مفهوم القاضي الهجين بوصفه تركيبًا وظيفيًا يجمع بين عناصر القاضي الحارس - في احترام النص وحماية الشرعية - وعناصر القاضي السياسي - في إدراك الاعتبارات الواقعية والاقتصادية - ولكن دون الخضوع لأي منهما، بل بإعادة توجيههما ضمن إطار معياري أعلى يتمثل في نظرية العدالة المركبة. فالقاضي الهجين، في هذا التصور، يُغلِب القاعدة الموضوعية، ويُعيد تفسير الإجراءات، ويستوعب التوتر المؤسسي ليحوله إلى أداة توازن لا سببًا للاختلال. وعليه، فإن القاضي الهجين ليس مجرد نموذج من النماذج، بل هو التعبير الأكمل عن القاضي العادل المنصف؛ قاضٍ يدمج بين حماية الحقوق وتحقيق العدالة وضبط التوازن المؤسسي، ويُعيد إنتاج القانون في ضوء مقاصده، لا حدود نصوصه فحسب، ليصبح حجر الزاوية في بناء نظام قانوني - مؤسسي مستقر وعادل في آنٍ واحد.
وفي هذا الإطار التحليلي الكلي عن العدالة، فقد شكّل القرءان الكريم مرجعًا أساسيًا لفهم العدالة في أبعادها المتعددة، إذ لم يقتصر على الجانب القانوني الصارم أو الشكلية القانونية فحسب، بل وسّع المفهوم ليشمل التكافل الاجتماعي، الرحمة، التيسير، والتوازن بين الحقوق والإجراءات. وهذا التصور يتقاطع مع ما تقدمه نظرية القاضي الهجين الذي يسعى إلى إعادة بناء العلاقة بين الشكل والمضمون لتحقيق العدالة المركبة على المستويين البنيوي والموضوعي.
فالقاضي الهجين، وكما تتضح معايير العدالة في الإسلام، يعمل على تحقيق التوازن بين النص التشريعي للقانون والغاية، بين الشكل والمضمون، بحيث لا يتحول القانون إلى أداة للظلم، بل يكون حماية للحقوق وضمانًا للإنصاف. ففي العدالة القانونية، يشير القرءان الكريم إلى أن القواعد لا تكتمل إلا إذا ترافقها الرحمة والتيسير، كما جاء في قوله تعالى: (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)، سورة البقرة، الآية 280، والذي يجسد مبدأ إعادة تفسير النصوص القانونية لصالح حماية الحق الموضوعي، بحيث لا تتحول المطالبة بالدين إلى ظلم للمدين المعسر، مع مراعاة ظروفه الإنسانية والاقتصادية.
أما العدالة الإجرائية، فهي تعنى بضمان أن الإجراءات تخدم المضمون، فلا تتحول الشكلية إلى وسيلة لإهمال الحقوق. ويتجلى ذلك في قوله تعالى: (إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ)، سورة البقرة، الآية 271)، حيث يؤكد النص أن الهدف ليس مجرد الإظهار أو الإخفاء، بل إيصال الحق إلى مستحقيه، وهو ما يعكس ضرورة تكييف الإجراءات القضائية بما يحمي الحقوق ويحقق النزاهة والشفافية في التقاضي.
ثم تأتي العدالة التصحيحية، التي تعالج الخلل وتعيد التوازن عند وقوع الضرر، سواء بين الأفراد أو بين الدائن والمدين. فالآيات المتعلقة بالتصدق والتيسير عند العسر تُبرز هذا البُعد، إذ أن إسقاط جزء من الدين أو تيسيره للمدين المعسر يعد تصحيحًا للخلل الناتج عن التمسك الحرفي بالنصوص التشريعية للقانون، ويعيد التوازن بين الأطراف، ويصون الطرف الأضعف من الظلم.
وأخيرًا، تبرز العدالة التوزيعية والتكافلية، التي تقوم على توزيع الموارد والفرص بما يحقق التكافل الاجتماعي والمسئولية الاقتصادية. إذ تقع على عاتق المصارف والدولة واجبات تجاه المجتمع والأطراف الأضعف، بما يشمل حماية حقوق المدينين وتيسير الوفاء بالالتزامات دون الإضرار بالاقتصاد. ويتضح ذلك في الشريعة الإسلامية من خلال التصدق بالدين على المدين العاجز، أي التخفيف أو إسقاط جزء من الدين مراعاةً لظروفه المالية، كما قال تعالى: (فَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)، الآية البقرة، الآية 280)، مما يحقق التوازن بين حماية الحقوق والوفاء للمجتمع، ويضمن توزيعًا عادلًا للأعباء الاقتصادية والاجتماعية، ويؤسس لمعايير المسئولية الاجتماعية للمصارف والدولة في الحفاظ على الاستقرار المالي والاجتماعي.
وبين هذه الأبعاد للعدالة، تتضح كيفية تداخل العدالة القانونية، والإجرائية، والتصحيحية، والتوزيعية، والتكافلية: فالعدالة القانونية تضع أساس النظام، والعدالة الإجرائية تضمن أن الشكل يخدم المضمون، والعدالة التصحيحية تعيد التوازن عند وقوع خلل في التشريع والتطبيق للقانون، بينما تحقق العدالة التوزيعية والتكافلية التكافل الاجتماعي والمسئولية المجتمعية. وهكذا، تتجسد رؤية شاملة للعدالة في الإسلام، تجمع بين حماية الحقوق وضمان الإنصاف وتحقيق التكافل الاجتماعي، وهو ما يتوافق تمامًا مع وظيفة القاضي الهجين، الذي يعيد بناء العلاقة بين الشكل والمضمون لتحقيق العدالة المركبة على المستويين البنيوي والوظيفي. ونواصل، للحديث بقية.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون والموثق
31 مارس 2026م
📌لمتابعة جميع المقالات و الاخبار و الوظائف و الدورات التدريبية القانونية عبر قروبات "وعي قانوني" انضم لاحد القروبات