دراسة موجزة مقارنة لحالة غياب المدعي بسبب الحرب
محام، خبير و إستشاري قانوني
لتفصيل المسألة بدقة من منظور القانون السوداني (قانون الإجراءات المدنية وقانون المعاملات المدنية)، مع الاستئناس بالسوابق القضائية المقارنة:
القاعدة العامة في القانون السوداني:
حالة وفاة المدعي أثناء سير الدعوى:
وفقاً لقواعد الإجراءات المدنية، إذا توفي أحد الخصوم قبل الفصل في الدعوى، *فإن سير الخصومة ينقطع بقوة القانون،* ولا يجوز للمحكمة الاستمرار في نظرها إلا بعد أن يتدخل الورثة أو من يقوم مقام المتوفى. هذا الانقطاع *ليس شطباً للدعوى،* بل هو وقف مؤقت لحين استئنافها من الخلف العام أو الخاص.
الظروف القاهرة ( الحرب):
الحرب تعتبر من قبيل "*القوة القاهرة*" التي تؤثر على انعقاد الجلسات في هذه الحالة، *ولا تُعتبر الدعوى متروكة أو مهملة،* بل تُوقف الإجراءات حتى زوال السبب الذي حال دون انعقاد المحكمة.
هل غاب المدعي، أم غابت المحكمة نفسها، بسبب الحرب؟
دون شك، و بلا شك، ان حرب السودان الحالية تسببت فى تدمير بعض مباني المحاكم، و حرق بعض المستندات، و نزوح و لجوء كثير من القضاة، و توقف سير إجراءات المحاكم، هذا الوضع في ظل الظرف القاهر ( الحرب ) تسبب فى *غياب المحاكم اولاً، و غياب اطراف الدعوى، و في بعضها غياب المدعي بسبب الموت اثناء الحرب، او بسببها المباشر.
أثر القوة القاهرة وغياب المدعي:
غياب المدعي بسبب الوفاة:
إذا توفي المدعي أثناء فترة توقف المحاكم بسبب الحرب، فإن *الدعوى لا تُشطب تلقائياً، بل تُعتبر منقطعة السير.* الورثة، و أصحاب المصلحة لهم الحق في طلب السير فيها بعد عودة المحاكم للعمل، خلفاً للمورث، أو بالإنضمام لذوي مصلحة.
غياب المدعي دون وفاة:
إذا كان الغياب بسبب ظروف الحرب أو القوة القاهرة، فالمحكمة لا يجوز لها شطب الدعوى لعدم الحضور، لأن الغياب هنا له سبب مشروع خارج عن الإرادة، وهو "الظرف القاهر".
الأساس القانوني :
1. قانون الإجراءات المدنية السوداني لسنة 1983:
- المادة (132/1): "ينقطع السير في الدعوى بوفاة أحد الخصوم أو بفقدان أهليته أو بزوال صفة من كان يباشر الخصومة عنه، ولا يجوز الاستمرار في نظرها إلا بعد أن يتدخل من يقوم مقامه قانوناً."
- المادة (133): "يترتب على انقطاع السير في الدعوى وقف جميع المواعيد والإجراءات، ويعود سريانها من جديد من تاريخ إعلان الورثة أو من يقوم مقام الخصم."
هذه النصوص تؤكد أن الوفاة لا تؤدي إلى شطب الدعوى، بل إلى انقطاع السير حتى يتدخل الورثة او صاحب مصلحة.
2. قانون المعاملات المدنية السوداني لسنة 1984:
- المادة (165): "القوة القاهرة: هي الحادث الذي لا يمكن توقعه ولا دفعه، ويترتب عليها وقف الالتزام أو انقضاؤه إذا استحال تنفيذه".
الحرب تُعتبر من قبيل القوة القاهرة، وبالتالي فإن توقف المحاكم بسببها يُعد سبباً مشروعاً لتعليق الإجراءات وعدم مؤاخذة الخصوم على الغياب.
السوابق القضائية ذات الصلة في القانون المصري :
في القضاء المصري (المواد 130 و131 من قانون المرافعات)، تقرر أن وفاة أحد الخصوم قبل تهيؤ الدعوى للحكم يترتب عليها انقطاع سير الخصومة بقوة القانون، وكل إجراء يتم خلالها يكون باطلاً .
أحكام محكمة النقض المصرية :
قررت أن رفع الدعوى من أو ضد شخص متوفى يؤدي إلى انعدام الخصومة، لكن إذا حدثت الوفاة أثناء سير الدعوى فالنتيجة هي الانقطاع لا الإنعدام .
هذه المبادئ تجد نظائرها في الفقه السوداني، حيث يُعمل بمبدأ حماية حقوق الورثة والخلفاء، وعدم إهدار الحق بسبب ظروف قاهرة.
التوقعات العملية لمعالجة المحاكم السودانية :
الإحتمال الأول (شطب الدعوى):
قد تلجأ بعض المحاكم إلى الشطب إذا لم يتدخل الورثة او صاحب مصلحة بعد فترة طويلة، لكن هذا قد يُعتبر مجحفاً في ظل ظروف الحرب.
الاحتمال الثاني (الإجتهاد العادل):
المرجح أن المحاكم السودانية، حفاظاً على الحقوق، ستعتبر الدعوى منقطعة السير، وتمنح الورثة أو اصحاب الصلحة، أو الممثلين القانونيين الحق في استئنافها بعد زوال الظروف القاهرة.
العدالة والإنصاف:
الاجتهاد القضائي يميل إلى عدم إهدار الحقوق بسبب القوة القاهرة، بل يُعطي فرصة لاستئناف الدعوى، خصوصاً في ظل ظروف الحرب التي تُعطل المحاكم قسراً.
خلاصة الدراسة:
١- الدعوى لا تُشطب تلقائياً بوفاة المدعي أثناء الحرب.
٢- الأصل هو انقطاع السير لحين تدخل الورثة او اصحاب المصلحة او الممثلين القانونيين.
٣- القوة القاهرة (الحرب) تُعتبر سبباً مشروعاً لتعليق الإجراءات.
٤- المرجح أن القضاء السوداني سيأخذ بالاجتهاد العادل الذي يحفظ الحقوق، ويُعيد فتح الدعوى بعد زوال الظروف القاهرة، لا أن يُهدرها بالشطب السريع.
محمد الطيب عابدين
محام، خبير و إستشاري قانوني
الاحد ٢٢ فبراير ٢٠٢٦م
📌لمتابعة جميع المقالات و الاخبار و الوظائف و الدورات التدريبية القانونية عبر قروبات "وعي قانوني" انضم لاحد القروبات
