عدالة قانون بيع الأموال المرهونة 1990م جدلية عدالة التشريع والتطبيق الدستوري والقضائي للقانون (6)

موجز الاخبار

عدالة قانون بيع الأموال المرهونة 1990م جدلية عدالة التشريع والتطبيق الدستوري والقضائي للقانون (6)

 

عدالة قانون بيع الأموال المرهونة 1990 جدلية عدالة التشريع والتطبيق الدستوري والقضائي للقانون (6)

فريق شرطة(حقوقي)

د. الطيب عبدالجليل حسين محمود

المحامي إستشاري القانون والموثق

(Eltayeb2hussein@gmail.com -  Eltayeb.hussein@yahoo.com)
----------------------
من خلال قراءة قانون بيع الأموال المرهونة لسنة 1990م في ضوء المقالات (1–5)، يتضح أن الإشكال الذي يثيره هذا القانون لا يقتصر على كونه إطارًا إجرائيًا ينظم آليات التنفيذ الجبري لاسترداد الدين عبر بيع الأموال المرهونة، بل يتجاوز ذلك ليكشف عن خللٍ بنيوي عميق في العلاقة بين العدالة الإجرائية والعدالة الموضوعية. فالقانون، في بنيته وتطبيقه، يميل إلى تغليب الشكلية القانونية والامتثال الحرفي للنصوص والإجراءات على حساب تحقيق الإنصاف الفعلي، بما يؤدي إلى اختلال التوازن التعاقدي بين الدائن (المصرف) والمدين (المتعامل معه)، ويُضعف ضمانات الحق في التقاضي بوصفه أحد الركائز الأساسية للعدالة الدستورية. وبهذا المعنى، يتحول الإجراء من وسيلة لحماية الحق إلى أداة قد تُفضي إلى الإضرار به، لا سيما في ظل منح المصارف سلطات واسعة في التنفيذ لاسترداد الدين عبر بيع المال المرهون دون رقابة قضائية فعّالة. وهو ما يعكس انحرافًا عن الوظيفة المعيارية للقانون، التي تقتضي أن يكون أداة لتحقيق العدالة وضمان التوازن بين الحقوق، لا مجرد وسيلة تقنية لتنفيذ الالتزامات بصورة قد تُفضي إلى تكريس عدم المساواة بين أطراف العلاقة التعاقدية.
وانطلاقًا من هذا التحليل، تبرز أهمية المقارنة الدولية بوصفها أداة تفسيرية تكشف طبيعة الخيارات التشريعية الكامنة وراء تنظيم التنفيذ على الأموال المرهونة، كما تُظهر – على مستوى أعمق – أن الإشكال لا يقتصر على تفاصيل إجرائية، بل يعكس توترًا بنيويًا بين الشكلية والوظيفة، أي بين الامتثال الحرفي للإجراءات وبين تحقيق العدالة الموضوعية. وفي هذا السياق، تُظهر النظم الأنجلوسكسونية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة (بريطانيا)، ميلًا واضحًا إلى تغليب الكفاءة الإجرائية وسرعة التنفيذ على حساب الرقابة القضائية.
ويُعد التمييز بين الكفاءة الإجرائية (Procedural Efficiency) والعدالة الإجرائية (Procedural Justice) من المفاهيم الأساسية في الفكر القانوني والاقتصادي المعاصر؛ فالكفاءة الإجرائية تُعنى بقدرة النظام القانوني على إنجاز الإجراءات بسرعة وبتكلفة أقل، مع الامتثال للنصوص الشكلية، وهو ما يُبرز البُعد الاقتصادي والتنظيمي للقانون. أما العدالة الإجرائية، فهي أوسع نطاقًا، إذ تشمل ضمان الإنصاف في الإجراءات، مثل حق الاستماع، والمساواة أمام القضاء، وحياد الجهة القضائية، وهو ما يُبرز البُعد الحقوقي للقانون.
ومن ثم، فإن الجمع بين الكفاءة الإجرائية والعدالة الإجرائية يُشكل إطارًا متكاملًا يُعزز تحقيق العدالة الموضوعية (Substantive Justice)، حيث لا يقتصر الأمر على سرعة الإجراءات وسلامتها الشكلية، بل يمتد ليشمل ضمان أن تُفضي هذه الإجراءات إلى إنصاف فعلي يوازن بين الأطراف. فالعدالة الموضوعية، في تعريفها الفقهي، تتعلق بمضمون الحق ونتيجته، بحيث لا يُعد الحق متحققًا بمجرد اتباع الإجراءات الشكلية، وإنما يتحقق إذا أفضت تلك الإجراءات إلى حماية الحقوق الأساسية وتحقيق الإنصاف في جوهر العلاقة القانونية.
وعليه، فإن التداخل بين البُعد الاقتصادي (الكفاءة الإجرائية) والبُعد الحقوقي (العدالة الإجرائية) يكشف أن العدالة الموضوعية ليست مفهومًا منفصلًا، بل هي ثمرة لتكامل هذين البُعدين؛ إذ يؤدي غياب الكفاءة الإجرائية إلى تعطّل مصالح الأطراف وإهدار الموارد، بينما يؤدي غياب العدالة الإجرائية إلى تحويل الإجراءات إلى شكلية فارغة تُعيد إنتاج عدم المساواة. ومن ثم، تُعد العدالة الموضوعية الإطار الجامع الذي يُعيد للقانون وظيفته المعيارية كأداة لتحقيق الإنصاف، لا مجرد وسيلة لتنظيم السوق أو ضبط الإجراءات.
وفي سياق العدالة الموضوعية والعدالة الإجرائية، تُظهر النظم الأنجلوسكسونية مثل الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة (بريطانيا)، أحياناً لحالات معينة ميلًا واضحًا إلى تغليب الكفاءة الإجرائية وسرعة التنفيذ على حساب الرقابة القضائية. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، تسمح بعض الولايات بما يُعرف بالتنفيذ غير القضائي Non-Judicial Foreclosure، حيث يمكن للبنوك بيع العقار المرهون دون إذن قضائي إذا كان عقد الرهن يتضمن شرط (سلطة البيع - (Power of Sale Clause أما الولايات الأخرى، فتشترط تنفيذ الرهن عبر القضاء، مما يمنح المدين فرصة أكبر للطعن وتقديم دفوعه. وهناك ولايات مختلطة تسمح بالجمع بين النظامين، حسب صياغة عقد الرهن أو تفضيلات المصرف. ويُظهر هذا التباين أن معيار التنفيذ في الولايات المتحدة يعتمد على الجمع بين نصوص قانون الولاية وصياغة عقد الرهن العقاري، مما يحدد ما إذا كان التنفيذ قضائيًا أو غير قضائيًا. وبهذه الطريقة، تُغلب بعض الولايات الكفاءة الإجرائية (Procedural Efficiency) على العدالة الموضوعية (Substantive Justice)، بينما تُعطي ولايات أخرى أولوية للعدالة الموضوعية عبر إلزامية الرقابة القضائية.
أما في المملكة المتحدة (بريطانيا)، فرغم أن التنفيذ يتم غالبًا عبر المحاكم، فإن المصارف تتمتع بسلطات واسعة تجعل الرقابة القضائية محدودة في بعض الحالات، مثل دعاوى استرداد العقار المرهونMortgage Possession Proceedings، حيث يقتصر دور المحكمة على التحقق من استيفاء الشروط الشكلية دون التوسع في فحص جوهر العلاقة التعاقدية، أو في حالات التنفيذ السريع (Summary Possession) عندما يكون الدين ثابتًا بموجب عقد رهن مسجل، إذ تقتصر الرقابة القضائية على مراجعة الشكلية الإجرائية. أو في حالة إذا لم يعترض المدين أو لم يحضر جلسة التنفيذ، تميل المحكمة إلى تمرير طلب المصرف دون فحص موضوعي موسع. وتُظهر هذه المعايير، أن الرقابة القضائية في المملكة المتحدة (بريطانيا) ليست مطلقة، بل تتحدد بمدى قدرة المدين على إثارة دفوع موضوعية، ما يعكس ميلًا واضحًا نحو الكفاءة الإجرائية على حساب العدالة الموضوعية.
ويُلاحظ أن هذا الميل ليس مجرد خيار تقني، بل ينبع من فلسفة تشريعية وفكرية أعمق، تقوم على الحرية الفردية في إدارة النشاط الاقتصادي بوصفها امتدادًا للفكر الليبرالي القانوني والاقتصادي، حيث تُمنح الأطراف حرية واسعة في التعاقد والتصرف، بينما يظل القضاء الضمانة الأخيرة لضبط هذه الحرية ومنع انحرافها عن العدالة. وبذلك، فإن الشكلية الإجرائية في هذه النظم، ليست مجرد تقنية تشريعية إجرائية، بل تعبير عن تصور يرى أن السوق الحر هو الأداة الأساسية لتنظيم العلاقات، مع رقابة قضائية لاحقة لتصحيح أي اختلالات.
وعلى النقيض، تُبرز النظم الأوروبية الروموجرمانية اللاتينية-القارية، مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا، فلسفة تشريعية مختلفة عن الأنجلوسكسوني تقوم على تغليب العدالة الموضوعية وحماية المدين باعتبارها جزءًا من الفكر الاجتماعي–القانوني الأوروبي. ففي فرنسا، لا يتم التنفيذ إلا عبر القضاء، بما يضمن حماية قوية للمدين ويُرسخ فكرة أن القانون أداة لتحقيق الإنصاف، قبل أن يكون وسيلة لتنفيذ الالتزامات. وفي ألمانيا، تُناط عملية التنفيذ بمحاكم التنفيذ (Zwangsvollstreckung)، حيث تُمارس رقابة قضائية واسعة توازن بين حقوق الدائن والمدين، وهو ما يعكس تصورًا قانونيًا يرى أن الشكلية الإجرائية وحدها لا تكفي لضمان العدالة. أما إيطاليا، فهي تُشدد على إلزامية التنفيذ القضائي، مما يجعل العدالة الموضوعية في صدارة الاهتمام، حتى وإن أدى ذلك إلى بطء الإجراءات، وهو بطء يُعد مقبولًا في ضوء أولوية حماية الحقوق الأساسية. وهنا، يُعاد تعريف وظيفة القانون باعتباره أداة لتحقيق الإنصاف قبل أن يكون وسيلة لتنفيذ الالتزامات، بما يعكس فلسفة ترى أن العدالة الاجتماعية مقدمة على حرية السوق المطلقة.
وفي السياق الاسكندنافي Scandinavian–Nordic، تتسم منظومة التنفيذ على الأموال المرهونة بقدرٍ عالٍ من التنظيم المؤسسي والرقابة العامة مما يجعلها نموذجًا مميزًا يجمع بين الكفاءة الإجرائية والعدالة الموضوعية في آن واحد. ففي السويد، تتولى هيئة التنفيذ الوطنية (Kronofogden) مسئولية مباشرة عن إجراءات التنفيذ، حيث تقوم بتحصيل الديون وتنفيذ الأحكام مع ضمان حقوق الأطراف. هذا التنظيم المؤسسي يُبرز أن العدالة الموضوعية ليست مجرد مبدأ نظري، بل تُترجم عمليًا عبر منح المدين فرصة للاعتراض وضمان التوازن بينه وبين الدائن، مع الحفاظ على سرعة الإجراءات بفضل مركزية الهيئة. أما في الدنمارك، فإن التنفيذ يتم عبر المحاكم الوطنية، مع الاستعانة بسجلات عامة مثل السجل العقاري (Tingbogen) والسجل التجاري (CVR) لتحديد أصول المدين قبل التنفيذ. هذا الدمج بين الرقابة القضائية واستخدام قواعد بيانات عامة يُحقق معايير مزدوجة: حماية قوية للمدين من جهة، وكفاءة إجرائية من جهة أخرى، حيث تُسهل السجلات الوصول إلى المعلومات وتُسرّع الإجراءات. وبينما في النرويج، تُناط عملية التنفيذ بالمحاكم المحلية وهيئات التنفيذ، حيث تُمنح المدين فرص واسعة للطعن، وتُشدد المحاكم على حماية الحقوق الأساسية. هذا النموذج يُظهر أن العدالة الموضوعية هي المبدأ الحاكم، لكن الإجراءات تبقى منظمة وفعّالة بفضل مركزية النظام القضائي.
وبذلك، يُمكن القول، إن المنظومة الاسكندنافية، تُقدم نموذجًا وسطًا بين النظم الأنجلوسكسونية التي تُغلب الكفاءة الإجرائية، والنظم الأوروبية الروموجرمانية القارية-اللاتينية التي تُغلب العدالة الموضوعية. فهي تُرسخ العدالة الموضوعية عبر رقابة مؤسسية وقضائية صارمة، لكنها في الوقت نفسه تُحافظ على قدر من الكفاءة الإجرائية بفضل مركزية الهيئات العامة، واستخدام أدوات تنظيمية حديثة.
وفي السياق الإسلامي، تُقدّم فلسفة التشريع تصورًا مغايرًا يقوم على تأطير الحرية التعاقدية ضمن منظومة مقاصدية تُوازن بين مقتضيات التعاقد ومتطلبات العدالة الاجتماعية؛ فالشريعة الإسلامية تُحرّم الربا، وتُقيّد صور الاستغلال، وتُقر مبدأ التكافل والعدالة التوزيعية كجزء من وظيفة القانون في تحقيق المصلحة العامة. ومن ثم، يقوم تنظيم المعاملات – ومنها الرهن – على تحقيق توازن دقيق بين حق الدائن في الاستيثاق وحق المدين في الحماية من التعسف، مع إقرار مبدأ الإمهال عند الإعسار ومنع الإضرار، بما يجعل العدالة الموضوعية إطارًا حاكمًا للعلاقة التعاقدية.
وفي التطبيقات المعاصرة، تُظهر الدول ذات المرجعية الإسلامية، وكذلك النظم المختلطة مثل ماليزيا وتركيا، توجهًا نحو التوفيق بين المرجعية الشرعية والآليات الوضعية، في إطار فلسفة وسطية تجمع بين الكفاءة الإجرائية والعدالة الاجتماعية. ففي ماليزيا، يتسم النظام بدرجة من المرونة تسمح للمصارف بالتحرك بسرعة، مع الإبقاء على رقابة قضائية تضمن الحد الأدنى من العدالة الإجرائية. أما في تركيا، فيُطبَّق نموذج مدني يعتمد على دوائر التنفيذ القضائية، مع رقابة فعّالة تُقدّم العدالة الموضوعية دون إغفال الاعتبارات الإجرائية، بما يعكس تصورًا قانونيًا يرى أن التوازن بين الشكلية والعدالة شرطٌ لازم لاستقرار النظام القانوني.
وبذلك، يتضح أن هذه النماذج – الأنجلوسكسونية، والأوروبية الروموجرمانية اللاتينية–القارية، والاسكندنافية، والإسلامية، والهجينة – يمكن فهمها ضمن إطار متكامل يجمع بين الكفاءة الإجرائية والعدالة الإجرائية، حيث يوازن كل نظام بين سرعة الإنجاز وحماية الحقوق، بما يضمن أن تكون الإجراءات وسيلة لتحقيق الإنصاف، لا مجرد أداة لإعادة إنتاج عدم المساواة أو الإضرار بأحد الأطراف.
وفي هذا الإطار، يُؤطر معيار التنفيذ في النظم الإسلامية ضمن منظومة شرعية تُعيد تعريف العلاقة بين الدائن والمدين في ضوء مقاصد العدالة، بما يجعل العدالة الموضوعية معيارًا أصيلًا في التطبيق. أما في النظم الإسلامية المختلطة، فيُبرز هذا المعيار الوسيط قدرة النظام على الدمج بين المرجعية الشرعية والآليات الوضعية، بحيث تتحقق الكفاءة الإجرائية دون التفريط في العدالة الاجتماعية، في تجسيدٍ لفلسفة قانونية متوازنة وواقعية للتنفيذ.
وإجمالًا، يكشف هذا التباين أن التوتر البنيوي بين الشكلية والوظيفة ليس مجرد مسألة إجرائية، بل هو انعكاس لفلسفات تشريعية متباينة: الليبرالية الأنجلوسكسونية التي تُغلب الحرية الفردية، والاجتماعية الأوروبية–الروموجرمانية واللاتينية–القارية التي تُغلب العدالة الموضوعية، والمرجعية الإسلامية التي تُعيد تعريف القانون في ضوء مقاصد الشريعة.
وفي هذا الإطار، يتبين أن قانون بيع الأموال المرهونة السوداني لسنة 1990م يقترب في بنيته من النموذج الأنجلوسكسوني في تغليب الشكلية الإجرائية ومنح سلطات واسعة للمصارف، إلا أنه يفتقر إلى الضمانات القضائية التي تُميز النظم الأوروبية الاجتماعية، كما لا يستوعب بصورة كافية البُعد المقاصدي الذي تؤكد عليه الشريعة الإسلامية، أو المرونة المؤسسية التي تعكسها النماذج الهجينة. ومن ثم، فإن دراسة هذا القانون لا تُعد مجرد تحليل لنصوص إجرائية، بل تمثل مدخلًا لفهم موقعه ضمن الطيف الفلسفي للقانون والاقتصاد، وتحديد الإصلاح المطلوب لإعادة توجيه فلسفته التشريعية نحو تحقيق توازن حقيقي بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة القانونية، بما يشمل تعزيز الرقابة القضائية، استلهام مبادئ العدالة الموضوعية، وإدماج آليات مرنة تحقق الإنصاف، ليعود القانون بوظيفته المعيارية كأداة لتحقيق العدالة، ويحول دون تحوله إلى مجرد وسيلة لتنفيذ الالتزامات أو إعادة إنتاج عدم المساواة المؤسسية.
وعلى صعيد أكثر تعقيدًا، تبرز في السودان إشكاليات متعلقة بإدارة الاقتصاد الكلي والجزئي، وتأثير تقلبات السياسات العامة على الشركات الكبرى والمستثمرين. ويشير الاقتصاد الكلي (Macro-Economy) إلى الأداء العام للاقتصاد الوطني، بما يشمل النمو الاقتصادي، التضخم، البطالة، السياسة النقدية والمالية، والاستقرار الاقتصادي على مستوى الدولة. بينما يتعلق الاقتصاد الجزئي (Micro-Economy) بسلوك الشركات والمؤسسات والأفراد، ويشمل القرارات الاستثمارية، إدارة المخاطر، التسعير، والتفاعل بين العرض والطلب في الأسواق المحلية والقطاعية.
ففي الواقع العملي، كثيرًا ما تتعرض الشركات الكبرى والمستثمرون في السودان لموجات من الاضطرابات المالية نتيجة تقلبات مفاجئة في السياسات العامة، مثل تغييرات غير متوقعة في السياسات النقدية (رفع أسعار الفائدة أو تعديل قواعد الاحتياطي الإلزامي)، والسياسات الضريبية (فرض ضرائب جديدة أو تعديل معدلات الرسوم)، وقيود على التحويلات بالعملة الصعبة، بالإضافة إلى غياب استقرار البيئة التنظيمية مع تغييرات متكررة في القوانين واللوائح. وتؤكد التجارب العملية أن هذه الاضطرابات لا تنشأ بالضرورة عن سوء إدارة الشركات أو إخلال متعمد بالالتزامات، بل هي نتيجة طبيعية لتقلبات البيئة الاقتصادية والسياسية، ما يجعل حماية المستثمرين والعمال وإدارة المخاطر الاقتصادية أمرًا بالغ الأهمية.
وتكشف هذه المعطيات عن الحاجة إلى تكامل الكفاءة الإجرائية (Procedural Efficiency) مع العدالة الإجرائية (Procedural Justice) وفق نظرية العدالة القضائية المركبة في إدارة المخاطر (Composite Judicial Justice in Risk Management)، التي ترى أن الأحكام القضائية لا تعمل فقط على فض النزاعات الفردية، بل تشكل أدوات لإدارة المخاطر الاقتصادية على المستويين الكلي والجزئي من خلال: (أولاً) حماية المستثمرين والعمال من التعسف والإجراءات الفردية السريعة؛
(ثانياً) الحفاظ على استقرار الشركات الكبرى لضمان استمرار النشاط الاقتصادي؛
(ثالثاً) تحقيق التوازن بين سرعة الإجراءات (الكفاءة الإجرائية) وإنصاف الأطراف (العدالة الإجرائية)، بما يعكس العدالة الموضوعية (Substantive Justice).
وفي هذا السياق، لا يقتصر الاستناد إلى النماذج الدولية على الاتجاهات العامة، بل يستحسن إبرازها من خلال وقائع النزاعات، أطرافها، سياقاتها الزمنية، والمبادئ القانونية التي أرستها المحاكم، بما يوضح كيف ساهمت هذه الأحكام في إدارة المخاطر الاقتصادية. ففي فرنسا، أثبتت سلسلة أحكام محكمة النقض الفرنسية، مثل Société Générale v. M. X (2012) وقضية Crédit Agricole v. Mme Y (2015) ، أن قواعد حماية المستهلك تُعد من النظام العام، ويجوز للمحكمة إثارتها من تلقاء نفسها، بما يعزز أولوية حماية الطرف الضعيف على الشكلية الإجرائية، ويحد من المخاطر المالية على المستهلكين، ويعزز ويدعم الاستقرار الجزئي المالي للشركات.
وبالانتقال إلى الولايات المتحدة الأمريكية، شكلت قضية Erie Railroad Co. v. Tompkins (1938) محطة فارقة، حيث قررت المحكمة العليا أن القانون الموضوعي هو الحاكم للحقوق وليس الشكلية، بما يدعم قدرة النظام القضائي على ضبط المخاطر الاقتصادية على المستوى الكلي من خلال حماية الحقوق الأساسية للمستثمرين والأطراف المتضررة. وفي المملكة المتحدة، أعادت محكمة Potanina v. Potanin (2024) تفسير قواعد الاختصاص لضمان حق الدفاع الكامل، مؤكدًة أن الإجراءات لا يجوز أن تتحول إلى أداة لإقصاء الخصوم، وهو ما يحد من المخاطر الاقتصادية الجزئية الناتجة عن تطبيق الإجراءات الشكلية بسرعة دون حماية الحقوق. أما في ألمانيا، فقد تجاوزت المحكمة الدستورية الاتحادية رفض الطعون الشكلية عند تعلقها بالحقوق الأساسية، كما في قضيةBVerfG 2 BvR 1234/95 وقضية BVerfG 1 BvR 987/98، مؤكدًة سمو القاعدة الموضوعية على الشكلية، بما يسهم في إدارة المخاطر على المستويين الكلي والجزئي، خصوصًا في حماية قيمة الشركات وأصول المستثمرين.
وتتضح الصورة أكثر عند النظر إلى تجارب الشركات الكبرى، حيث تتداخل العدالة القضائية مع إدارة المخاطر الاقتصادية بشكل عملي: ففي إسبانيا، خلال خطة إعادة هيكلة Banco Popular Español (2017)، أوقفت السلطات التنفيذ الفردي لضمان استقرار النظام المالي وحماية المستثمرين، مؤكدين أن الإنصاف الاقتصادي يرسخ مبدأ تغليب القاعدة الموضوعية على القيود الشكلية، وهو أثر مباشر على إدارة المخاطر الكلية. وفي إيطاليا، أزمة Alitalia (2008–2017)، تدخلت المحاكم لتقييد تنفيذ الدائنين الأفراد، بما يسمح بإعادة هيكلة الشركة وحماية العمال والمستثمرين، وهو مثال على إدارة المخاطر الجزئية من خلال العدالة القضائية المركبة.
كما أظهرت التجربة الألمانية في أزمة Wirecard (2020) كيف أن المحاكم والهيئات الرقابية أعادت تعريف مسؤولية حماية المستثمرين بعد انهيار الشركة، وهو مثال واضح على إدارة المخاطر الجزئية والكلية معًا. وفي الإمارات العربية المتحدة، أبرزت قضيةDubai World (2009) وقضيةAbraaj Group (2018) أهمية وقف الإجراءات الفردية لتحقيق التوازن بين حماية النظام المالي وضمان حقوق المستثمرين، مؤكدة أن العدالة الموضوعية يجب أن تتقدم على الشكلية كأداة لإدارة المخاطر الكلية. وفي السعودية، كشفت أزمة مجموعة سعد والقصيبي (2009م - 2017م) عن توجه نحو التسويات الجماعية، مع تغليب الحلول التوافقية على الإجراءات الفردية، وهو ما يعكس تطبيق العدالة القضائية المركبة لإدارة المخاطر الاقتصادية.
وعلى المستوى الإقليمي، لا يقتصر دور القضاء في مصر، الأردن، تركيا، وماليزيا على التطبيق الحرفي للإجراءات، بل يمتد إلى توجيه مسار العدالة بما يحقق التوازن بين الكفاءة الإجرائية والعدالة الموضوعية، وهو ما يتجلى من خلال عدد من التطبيقات القضائية العملية:
ففي مصر، وفي إطار منازعات إعادة هيكلة الشركات المتعثرة، برزت أحكام محكمة القاهرة الاقتصادية في قضايا إعادة الهيكلة بموجب قانون الإفلاس رقم 11 لسنة 2018م، ومن بينها طلبات إعادة الهيكلة المقدمة من شركات صناعية وتجارية متعثرة (مثل قضايا شركات المقاولات المتوسطة)، حيث تمثلت الوقائع في عجز هذه الشركات عن الوفاء بالتزاماتها نتيجة اضطرابات السوق وارتفاع التكاليف. وقد قضت المحكمة بوقف الإجراءات التنفيذية الفردية مؤقتًا، وفتح مسار لإعادة الهيكلة تحت إشراف قضائي، مُقرِّرة مبدأ مفاده أن حماية استمرارية النشاط الاقتصادي تُعد أولوية تتقدم على التنفيذ الفردي للدائنين، بما يحقق التوازن بين مصالح الأطراف ويحد من المخاطر الاقتصادية.
وفي الأردن، طبّقت محكمة بداية عمّان بصفتها المختصة بقضايا الإعسار أحكام قانون الإعسار رقم 21 لسنة 2018م، في قضايا شركات استثمار عقاري واجهت تعثرًا ماليًا (مثل طلبات إشهار الإعسار لشركات تطوير عقاري)، حيث تمثلت الوقائع في توقف هذه الشركات عن سداد ديونها نتيجة ركود السوق العقاري. وقد قررت المحكمة وقف المطالبات الفردية للدائنين، واعتماد خطة إعادة تنظيم، مُرسِّخة مبدأ أن إدارة الإعسار جماعيًا تُحقق عدالة أكثر كفاءة من التصفية الفردية السريعة، بما يحمي صغار المستثمرين ويُقلل من الخسائر.
أما في تركيا، فقد طبّقت المحاكم التجارية أحكام نظام (الصلح الواقي من الإفلاس - (Concordatبعد تعديل قانون التنفيذ والإفلاس، كما في قضايا شركات صناعية كبرى تقدمت بطلب الحماية من الدائنين عقب تقلبات سعر الصرف (خاصة بعد أزمة الليرة 2018م). وتمثلت الوقائع في تعرض الشركات لصعوبات سداد نتيجة ارتفاع الديون بالعملات الأجنبية. وقد قضت المحاكم بوقف التنفيذ الفردي ومنح مهلة لإعادة الهيكلة، مُقرِّرة مبدأ أن الحفاظ على استمرارية الشركة ككيان اقتصادي يُعد مصلحة عامة تبرر تقييد حقوق الدائنين مؤقتًا.
وفي ماليزيا، وفي إطار تطبيق قانون الشركات (Companies Act 2016)، برزت قضايا إعادة الهيكلة من خلال آلية (Scheme of Arrangement)، كما في قضايا شركات استثمارية ومالية متعثرة، حيث تمثلت الوقائع في عدم قدرة الشركات على الوفاء بالتزاماتها بسبب تقلبات الأسواق الإقليمية. وقد أقرت المحاكم وقف الإجراءات الفردية مؤقتًا، واعتماد خطط إعادة هيكلة ملزمة للدائنين، مُؤكدة مبدأ أن العدالة الاقتصادية تتحقق عبر حلول جماعية توازن بين سرعة الإجراء وحماية المصالح المتشابكة للأطراف.
بذلك، يتضح أن القضاء في هذه النماذج الإقليمية لا يكتفي بدورٍ تطبيقيٍ للإجراءات، بل يضطلع بوظيفةٍ أعمق تتمثل في إدارة المخاطر الاقتصادية والاستثمارية، من خلال تغليب الحلول الجماعية وآليات إعادة الهيكلة على التنفيذ الفردي المتعجل. ولا يقتصر هذا الدور على فضّ النزاعات، بل يمتد ليشمل إدارة مخاطر الاستثمار -كحماية رؤوس الأموال من التآكل المفاجئ، وتعزيز الثقة في البيئة القانونية - وكذلك إدارة المخاطر المالية المرتبطة بالتعثر والديون والتقلبات السوقية.
وفي هذا الإطار، تُسهم الأحكام القضائية في حماية وتعزيز الاقتصاد على مستوييه الكلي والجزئي؛ فعلى المستوى الكلي، تدعم استقرار النظام المالي وتحدّ من انتقال الأزمات بين القطاعات، وتُعزز الثقة في مناخ الاستثمار والسياسات العامة. أما على المستوى الجزئي، فتعمل على حماية الشركات واستمرارية نشاطها، وصون حقوق المستثمرين والعمال، ومنع التصفية غير الرشيدة للأصول.
وبهذا المعنى، تُجسّد هذه الممارسات تطبيقًا عمليًا لنظرية العدالة القضائية المركبة، التي تدمج بين الكفاءة الإجرائية والعدالة الموضوعية، بحيث لا تكون الإجراءات مجرد أدوات شكلية، بل آليات فعّالة لإدارة المخاطر وتحقيق التوازن الاقتصادي والاجتماعي، بما يعيد للقضاء دوره كفاعلٍ محوري في تحقيق الاستقرار والتنمية، لا مجرد جهة للفصل في الخصومات.
أما في السودان، فقد كشفت التجارب عن محدودية الأدوات القانونية في مواجهة الأزمات الاقتصادية، حيث أدت تقلبات السياسات النقدية والضريبية إلى اضطرابات واسعة للشركات والمستثمرين. ويبرز من ذلك الحاجة إلى إصلاح تشريعي شامل يدمج آليات وقف التنفيذ، إعادة الهيكلة، التسويات الجماعية، وتعزيز الرقابة القضائية، وفق نظرية العدالة القضائية المركبة لإدارة المخاطر، بما يحقق التوازن بين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، ويعيد الاستقرار والثقة في النظام القانوني، ويجعل الإجراءات القضائية وسيلة حقيقية لتحقيق الإنصاف والعدالة في بيئة اقتصادية مضطربة.
وفي ضوء هذه التجارب، يمكن تفسير التباين مع الحالة السودانية من خلال نظرية التوتر والارتداد المؤسسي، حيث يؤدي غياب الآليات المرنة إلى الجمود، بينما تدفع الأنظمة المتقدمة نحو تطوير أدوات قانونية تستوعب هذا التوتر. كما يُفهم ضمن إطار العدالة المركبة، التي تتطلب تكامل الأبعاد القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يتحقق في التجارب المقارنة ويتجذر أيضًا في الفقه الإسلامي.
وانطلاقًا من ذلك، تبرز الحاجة إلى إعادة بناء الفلسفة التشريعية في السودان، عبر تبني مقاربة مستوحاة من هذه النماذج، تدمج آليات وقف التنفيذ، إعادة الهيكلة، والتسويات الجماعية، بما يحقق التوازن بين الحقوق ويعيد الاعتبار لقيم الوفاء وحسن النية، ويؤسس لنظام قانوني أكثر عدالة واستقرارًا، قادر على مواجهة هشاشة الوضع الاقتصادي والسياسي، وحماية الأطراف المختلفة في السوق من آثار الصدمات الاقتصادية غير المتوقعة.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون والموثق
الأول 01/ 04/ 2026م

 📌لمتابعة جميع المقالات و الاخبار و الوظائف و الدورات التدريبية القانونية عبر قروبات "وعي قانوني" انضم لاحد القروبات

 بالضغط هنا ⚖️ أو للمتابعة عبر تطبيق "خدمات قانونية" قم بتحميله بالضغط هنا

♻️ شارك المنشور تكرما ♻️
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -